الْمُسْلِمِينَ ، كَمَا لَوْ صَلَّى عَقِيبَ السَّعْيِ رَكْعَتَيْنِ قِيَاساً عَلَى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ ، وَقَدْ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ فِي الْحَاجِّ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَنْ يَسْتَفْتِحَ بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ ، فَخَالَفُوا الْأَئِمَّةَ وَالسُّنَّةَ ، وَإِنَّمَا السُّنَّةُ أَنْ يَسْتَفْتِحَ الْمُحْرِمُ بِالطَّوَافِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ ؛ بِخِلَافِ الْمُقِيمِ الَّذِي يُرِيدُ الصَّلَاةَ فِيهِ دُونَ الطَّوَافِ ، فَهَذَا إذَا صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ فَحَسَنٌ .
وَفِي الْجُمْلَةِ : فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَكْمَلَ اللَّهُ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ الدِّينَ ، وَأَتَمَّ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ النِّعْمَةَ ، فَمَنْ جَعَلَ عَمَلاً وَاجِباً مَا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، أَوْ لَمْ يَكْرَهْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، فَهُوَ غَالِطٌ .
فَجِمَاعُ أَئِمَّةِ الدَّيْنِ أَنَّهُ لَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَلَا دِينَ إلَّا مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَمَنْ خَرَجَ عَنْ هَذَا وَهَذَا فَقَدْ دَخَلَ فِي حَرْبٍ مِنْ اللَّهِ ، فَمَنْ شَرَعَ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ، وَحَرَّمَ مَا لَمْ يُحَرِّمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، فَهُوَ مِنْ دِينِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، الْمُخَالِفِينَ لِرَسُولِهِ ، الَّذِينَ ذَمَّهُمْ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ ، وَالْأَعْرَافِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ السُّوَرِ ، حَيْثُ شَرَعُوا مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ .
فَحَرَّمُوا مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ ، وَأَحَلُّوا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ ، فَذَمَّهُمْ اللَّهُ وَعَابَهُمْ عَلَى ذَلِكَ .
فَلِهَذَا كَانَ دِينُ الْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ ، أَنَّ الْأَحْكَامَ الْخَمْسَةَ : الْإِيجَابُ وَالِاسْتِحْبَابُ ، وَالتَّحْلِيلُ ، وَالْكَرَاهِيَةُ ، وَالتَّحْرِيمُ ، لَا يُؤْخَذُ إلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا وَاجِبَ إلَّا مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَلَا حَلَالَ إلَّا مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ .
فَمِنْ ذَلِكَ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الدِّينِ ، وَمِنْهُ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ ، فَرَدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } .
فَمَنْ تَكَلَّمَ بِجَهْلٍ ، وَبِمَا يُخَالِفُ الْأَئِمَّةَ ، فَإِنَّهُ يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ ، وَيُؤَدَّبُ عَلَى الْإِصْرَارِ ، كَمَا يُفْعَلُ بِأَمْثَالِهِ مِنْ الْجُهَّالِ ، وَلَا يُقْتَدَى فِي خِلَافِ الشَّرِيعَةِ بِأَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 93
مساهمون: ابن تيمية
ص٩٣