{ لَبَّيْكَ حَجّاً وَعُمْرَةً } يَنْوِي مَا يُرِيدُ [ أَنْ ] يَفْعَلَهُ بَعْدَ التَّلْبِيَةِ ، لَا قَبْلَهَا .
وَجَمِيعُ مَا أَحْدَثَهُ النَّاسُ مِنْ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ قَبْلَ التَّكْبِيرِ ، وَقَبْلَ التَّلْبِيَةِ ، وَفِي الطَّهَارَةِ ، وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَهِيَ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي لَمْ يَشْرَعْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَكُلُّ مَا يَحْدُثُ فِي الْعِبَادَاتِ الْمَشْرُوعَةِ مِنْ الزِّيَادَاتِ الَّتِي لَمْ يَشْرَعْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ بِدْعَةٌ بَلْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدَاوِمُ فِي الْعِبَادَاتِ عَلَى تَرْكِهَا ، فَفِعْلُهَا وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : مِنْ حَيْثُ اعْتِقَادُ الْمُعْتَقِدِ أَنَّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ مُسْتَحَبٌّ ، أَيْ يَكُونُ فِعْلُهُ خَيْراً مِنْ تَرْكِهِ ، مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ أَلْبَتَّةَ ، فَيَبْقَى حَقِيقَةُ هَذَا الْقَوْلِ ، إنَّمَا فَعَلْنَاهُ أَكْمَلَ وَأَفْضَلَ مِمَّا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ سَأَلَ رَجُلٌ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ ، فَقَالَ : " أَخَافُ عَلَيْكَ الْفِتْنَةَ ، فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ : أَيُّ فِتْنَةٍ فِي ذَلِكَ ؟ وَإِنَّمَا زِيَادَةُ أَمْيَالٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
قَالَ : وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَظُنَّ فِي نَفْسِكَ أَنَّكَ خُصِّصْتَ بِفَضْلٍ لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي } " فَأَيُّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ سُنَّةً أَفْضَلُ مِنْ سُنَّتِي ، فَرَغِبَ عَمَّا سَنَّيْتُهُ مُعْتَقِداً أَنَّ مَا رَغِبَ فِيهِ أَفْضَلُ مِمَّا رَغِبَ عَنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ؛ لِأَنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ بِذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ .
فَمَنْ قَالَ : إنَّ هُدَى غَيْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنْ هُدَى مُحَمَّدٍ فَهُوَ مَفْتُونٌ ؛ بَلْ ضَالٌّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - إجْلَالاً لَهُ وَتَثْبِيتُ حُجَّتِهِ عَلَى النَّاسِ كَافَّةً - { فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أَيْ : وَجِيعٌ .
وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِاتِّبَاعِهِ ، وَأَنْ يَعْتَقِدُوا وُجُوبَ مَا أَوْجَبَهُ ، وَاسْتِحْبَابَ مَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 91
مساهمون: ابن تيمية
ص٩١