تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ : يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِهَا ؛ لِكَوْنِهِ أَوْكَدَ ؛ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا : لَا يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ ، وَلَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَداً مِنْ أُمَّتِهِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ ، وَلَا عَلَّمَ ذَلِكَ أَحَداً مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانَ هَذَا مَشْهُوراً مَشْرُوعاً لَمْ يُهْمِلْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ، مَعَ أَنَّ الْأُمَّةَ مُبْتَلَاةٌ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ . وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ . بَلْ التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ . أَمَّا فِي الدِّينِ فَلِأَنَّهُ بِدْعَةٌ . وَأَمَّا فِي الْعَقْلِ فَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُرِيدُ يَأْكُلُ طَعَاماً فَيَقُولُ : نَوَيْتُ بِوَضْعِ يَدِي فِي هَذَا الْإِنَاءِ أَنِّي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ مِنْهُ لُقْمَةً فَأَضَعَهَا فِي فَمِي فَأَمْضُغَهَا ثُمَّ أَبْلَعَهَا لِأَشْبَعَ . مِثْلُ الْقَائِلِ الَّذِي يَقُولُ : نَوَيْتُ أُصَلِّي فَرِيضَةَ هَذِهِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيَّ حَاضِرَ الْوَقْتِ ، أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي جَمَاعَةٍ ، أَدَاءً لِلَّهِ تَعَالَى . فَهَذَا كُلُّهُ حُمْقٌ وَجَهْلٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ النِّيَّةَ بَلِيغُ الْعِلْمِ ، فَمَتَى عَلِمَ الْعَبْدُ مَا يَفْعَلُهُ كَانَ قَدْ نَوَاهُ ضَرُورَةً ، فَلَا يُتَصَوَّرُ مَعَ وُجُودِ الْعِلْمِ بِالْعَقْلِ أَنْ يَفْعَلَ بِلَا نِيَّةٍ : وَلَا يُمْكِنُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ أَنْ تَحْصُلَ نِيَّةٌ . وَقَدْ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الْجَهْرَ بِالنِّيَّةِ وَتَكْرِيرَهَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ ، بَلْ مَنْ اعْتَادَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤَدَّبَ تَأْدِيباً يَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ التَّعَبُّدِ بِالْبِدَعِ ، وَإِيذَاءِ النَّاسِ بِرَفْعِ صَوْتِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ : { أَيُّهَا النَّاسُ كُلُّكُمْ يُنَاجِي رَبَّهُ ، فَلَا يَجْهَرَنَّ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقِرَاءَةِ } فَكَيْفَ حَالُ مَنْ يُشَوِّشُ عَلَى النَّاسِ بِكَلَامِهِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ ؟ بَلْ يَقُولُ : نَوَيْتُ أُصَلِّي ، أُصَلِّي فَرِيضَةَ كَذَا وَكَذَا ، فِي وَقْتِ كَذَا وَكَذَا ، مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَمْ يَشْرَعْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 142 - 58 سُئِلَ : عَنْ رَجُلٍ قِيلَ لَهُ : لَا يَجُوزُ الْجَهْرُ بِالنِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : صَحِيحٌ أَنَّهُ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَمَرَ بِهِ ، لَكِنْ مَا نَهَى عَنْهُ ، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ جَهَرَ بِهَا . ثُمَّ إنَّهُ قَالَ : لَنَا بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ ، وَبِدْعَةٌ سَيِّئَةٌ ، وَاحْتَجَّ بِالتَّرَاوِيحِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جَمَعَهَا ، وَلَا نَهَى عَنْهَا . وَأَنَّ عُمَرَ الَّذِي جَمَعَ النَّاسَ عَلَيْهَا ، وَأَمَرَ بِهَا . فَهَلْ هُوَ كَمَا قَالَ ؟ وَهَلْ تُسَمَّى سُنَنُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بِدْعَةً ؟ وَهَلْ [ يُقَاسُ ] عَلَى سُنَنِهِمْ مَا سَنَّهُ غَيْرُهُمْ فَهَلْ لَهَا أَصْلٌ فِيمَا يَقُولُهُ ، وَيَفْعَلُهُ ؟ وَقَوْلُهُ :