تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
النُّطْقَ بِالتَّكْبِيرِ ، لَا بِالنِّيَّةِ . وَلَكِنَّ التَّلَفُّظَ بِهَا هَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ ؟ أَمْ لَا ؟ هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ لِلْفُقَهَاءِ . مِنْهُمْ مَنْ اسْتَحَبَّ التَّلَفُّظَ بِهَا ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ، وَقَالُوا : التَّلَفُّظُ بِهَا أَوْكَدُ ، وَاسْتَحَبُّوا التَّلَفُّظَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَسْتَحِبَّ التَّلَفُّظَ بِهَا ، كَمَا قَالَ ذَلِكَ مَنْ قَالَهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَغَيْرِهِمَا . وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ ، سُئِلَ تَقُولُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ شَيْئاً ؟ قَالَ : لَا . وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَقُولُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ شَيْئاً ، وَلَمْ يَكُنْ يَتَلَفَّظُ بِالنِّيَّةِ ، لَا فِي الطَّهَارَةِ ، وَلَا فِي الصَّلَاةِ ، وَلَا فِي الصِّيَامِ ، وَلَا فِي الْحَجِّ . وَلَا فِي غَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ ، وَلَا خُلَفَاؤُهُ ، وَلَا أَمَرَ أَحَداً أَنْ يَتَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ بَلْ قَالَ لِمَنْ عَلَّمَهُ الصَّلَاةَ : كَبِّرْ ؛ كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ ، وَالْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } . وَلَمْ يَتَلَفَّظْ قَبْلَ التَّكْبِيرِ بِنِيَّةٍ ، وَلَا غَيْرِهَا ، وَلَا عَلَّمَ ذَلِكَ أَحَداً مِنْ الْمُسْلِمِينَ . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَحَبّاً لَفَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَعَلِمَهُ الْمُسْلِمُونَ . وَكَذَلِكَ فِي الْحَجِّ إنَّمَا كَانَ يَسْتَفْتِحُ الْإِحْرَامَ بِالتَّلْبِيَةِ ، وَشَرَعَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُلَبُّوا فِي أَوَّلِ الْحَجِّ ، { وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ : حُجِّي وَاشْتَرِطِي ، فَقُولِي : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، وَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي } فَأَمَرَهَا أَنْ تَشْتَرِطَ بَعْدَ التَّلْبِيَةِ . وَلَمْ يُشْرَعْ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ التَّلْبِيَةِ شَيْئاً . لَا يَقُولَ : اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدَ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ ، وَلَا الْحَجَّ وَالْعَمْرَةَ ، وَلَا يَقُولَ : فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي ، وَلَا يَقُولَ : نَوَيْتُهُمَا جَمِيعاً ، وَلَا يَقُولَ : أَحْرَمْتُ لِلَّهِ ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا . وَلَا يَقُولَ قَبْلَ التَّلْبِيَةِ شَيْئاً ، بَلْ جَعَلَ التَّلْبِيَةَ فِي الْحَجِّ كَالتَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ . وَكَانَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَقُولُونَ : فُلَانٌ أَهَلَّ بِالْحَجِّ ، أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ، أَوْ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعاً . كَمَا يُقَالُ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ ، وَالْإِهْلَالُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وَكَانَ يَقُولُ فِي تَلْبِيَتِهِ :
الفتاوى الكبرى — صفحة 90 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا