أَجَابَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ .
مَحَلُّ النِّيَّةِ الْقَلْبُ دُونَ اللِّسَانِ ، بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ : الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ وَالْعِتْقِ وَالْجِهَادِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَلَوْ تَكَلَّمَ بِلِسَانِهِ بِخِلَافِ مَا نَوَى فِي قَلْبِهِ كَانَ الِاعْتِبَارُ بِمَا نَوَى بِقَلْبِهِ ، لَا بِاللَّفْظِ ، وَلَوْ تَكَلَّمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ تَحْصُلْ النِّيَّةُ فِي قَلْبِهِ لَمْ يُجْزِئْ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ .
فَإِنَّ النِّيَّةَ هِيَ مِنْ جِنْسِ الْقَصْدِ ؛ وَلِهَذَا تَقُولُ الْعَرَبُ نَوَاك اللَّهُ بِخَيْرٍ : أَيْ قَصَدَكَ بِخَيْرٍ .
وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ } مُرَادُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنِّيَّةِ النِّيَّةُ الَّتِي فِي الْقَلْبِ ؛ دُونَ اللِّسَانِ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ : الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ، وَغَيْرِهِمْ .
وَسَبَبُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّ سَبَبَهُ أَنَّ رَجُلاً هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا : أُمُّ قَيْسٍ ، فَسُمِّيَ مُهَاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ .
فَخَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ .
وَهَذَا كَانَ نِيَّتُهُ فِي قَلْبِهِ .
وَالْجَهْرُ بِالنِّيَّةِ لَا يَجِبُ وَلَا يُسْتَحَبُّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ؛ بَلْ الْجَاهِرُ بِالنِّيَّةِ مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلشَّرِيعَةِ ، إذَا فَعَلَ ذَلِكَ مُعْتَقِداً أَنَّهُ مِنْ الشَّرْعِ : فَهُوَ جَاهِلٌ ضَالٌّ ، يَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ ، وَإِلَّا الْعُقُوبَةُ عَلَى ذَلِكَ ، إذَا أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ وَالْبَيَانِ لَهُ ، لَا سِيَّمَا إذَا آذَى مَنْ إلَى جَانِبِهِ بِرَفْعِ صَوْتِهِ ، أَوْ كَرَّرَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ الْبَلِيغَ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ : إنَّ صَلَاةَ الْجَاهِرِ بِالنِّيَّةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْخَافِتِ بِهَا ، سَوَاءٌ كَانَ إمَاماً أَوْ مَأْمُوماً ، أَوْ مُنْفَرِداً .
وَأَمَّا التَّلَفُّظُ بِهَا سِرّاً فَلَا يَجِبُ أَيْضاً ، عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ، وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ : إنَّ التَّلَفُّظَ بِالنِّيَّةِ وَاجِبٌ ، لَا فِي طَهَارَةٍ وَلَا فِي صَلَاةٍ ، وَلَا صِيَامٍ ، وَلَا حَجٍّ .
وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ : أُصَلِّي الصُّبْحَ ، وَلَا أُصَلِّي الظُّهْرَ ، وَلَا الْعَصْرَ ، وَلَا إمَاماً وَلَا مَأْمُوماً ، وَلَا يَقُولُ بِلِسَانِهِ : فَرْضاً وَلَا نَفْلاً ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ ، بَلْ يَكْفِي أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ فِي قَلْبِهِ ، وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي الْقُلُوبِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 88
مساهمون: ابن تيمية
ص٨٨