تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
وَالثَّانِي : عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ : إذَا تَرَكَهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ دُونَ دَارِ الْحَرْبِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ دَارُ جَهْلٍ ، يُعْذَرُ فِيهِ ؛ بِخِلَافِ دَارِ الْإِسْلَامِ . وَالثَّالِثُ : لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ مُطْلَقاً . وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَغَيْرِهِ . وَأَصْلُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ : أَنَّ حُكْمَ الشَّارِعِ ، هَلْ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ قَبْلَ بُلُوغِ الْخِطَابِ لَهُ ، فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ ؛ وَغَيْرِهِ : أَحَدُهَا : يَثْبُتُ مُطْلَقاً . وَالثَّانِي : لَا يَثْبُتُ مُطْلَقاً . وَالثَّالِثُ : يَثْبُتُ حُكْمُ الْخِطَابِ الْمُبْتَدَأِ دُونَ الْخِطَابِ النَّاسِخِ ، كَقَضِيَّةِ أَهْلِ قُبَاءَ ، وَكَالنِّزَاعِ الْمَعْرُوفِ فِي الْوَكِيلِ إذَا عُزِلَ ، فَهَلْ يَثْبُتُ حُكْمُ الْعَزْلِ فِي حَقِّهِ قَبْلَ الْعِلْمِ . وَعَلَى هَذَا : لَوْ تَرَكَ الطَّهَارَةَ الْوَاجِبَةَ لِعَدَمِ بُلُوغِ النَّصِّ ، مِثْلُ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ الْإِبِلِ وَلَا يَتَوَضَّأُ ، ثُمَّ يَبْلُغُهُ النَّصُّ ، وَيَتَبَيَّنُ لَهُ وُجُوبُ الْوُضُوءِ ، أَوْ يُصَلِّي فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ ثُمَّ يَبْلُغُهُ . وَيَتَبَيَّنُ لَهُ النَّصُّ ، فَهَلْ عَلَيْهِ إعَادَةُ مَا مَضَى ؟ فِيهِ قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ . وَنَظِيرُهُ أَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ وَيُصَلِّيَ . ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ وُجُوبُ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ . وَالصَّحِيحُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَدَمُ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ ، وَلِأَنَّهُ قَالَ : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً } فَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ أَمْرُ الرَّسُولِ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ وَعَمَّاراً لَمَّا أَجْنَبَا فَلَمْ يُصَلِّ عُمَرُ ، وَصَلَّى عَمَّارٌ بِالتَّمَرُّغِ ، أَنْ يُعِيدَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْ أَبَا ذَرٍّ بِالْإِعَادَةِ لَمَّا كَانَ يَجْنُبُ وَيَمْكُثُ أَيَّاماً لَا يُصَلِّي ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْ مَنْ أَكَلَ مِنْ الصَّحَابَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَبْلُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْحَبْلِ الْأَسْوَدِ بِالْقَضَاءِ ، كَمَا لَمْ يَأْمُرْ مَنْ صَلَّى إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ بُلُوغِ النَّسْخِ لَهُمْ بِالْقَضَاءِ . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْمُسْتَحَاضَةُ إذَا مَكَثَتْ مُدَّةً لَا تُصَلِّي لِاعْتِقَادِهَا عَدَمَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا فَفِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهَا قَوْلَانِ :
الفتاوى الكبرى — صفحة 50 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا