نَاسِياً لَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِوُجُوبِهِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ جَاهِلاً بِوُجُوبِهِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ يَعْتَقِدُ مَعَهُ جَوَازَ التَّأْخِيرِ ، وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَهُ عَالِماً عَمْداً .
فَأَمَّا النَّاسِي لِلصَّلَاةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْهُ ، بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ .
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا .
لَا كَفَّارَةَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ } وَقَدْ اسْتَفَاضَ فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ : { أَنَّهُ نَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي السَّفَرِ فَصَلَّوْهَا بَعْدَ مَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ السُّنَّةُ وَالْفَرِيضَةُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ } .
وَكَذَلِكَ مَنْ نَسِيَ طَهَارَةَ الْحَدَثِ ، وَصَلَّى نَاسِياً : فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ بِطَهَارَةٍ بِلَا نِزَاعٍ ، حَتَّى لَوْ كَانَ النَّاسِي إمَاماً كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ ، وَلَا إعَادَةَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْمَنْصُوصِ الْمَشْهُورِ عَنْهُ ، كَمَا جَرَى لِعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
وَأَمَّا مَنْ نَسِيَ طَهَارَةَ الْخَبَثِ فَإِنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ؛ وَتِلْكَ مِنْ بَابِ تَرَكَ الْمَأْمُورِ بِهِ ، وَمَنْ فَعَلَ مَا نُهِيَ عَنْهُ نَاسِياً فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ .
كَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِيمَنْ أَكَلَ فِي رَمَضَانَ نَاسِياً .
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ .
وَطَرْدُ ذَلِكَ فِيمَنْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ نَاسِياً ، وَمَنْ تَطَيَّبَ وَلَبِسَ نَاسِياً .
كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ مَنْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِياً كَمَا هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ .
وَهُنَا مَسَائِلُ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا : مِثْلُ مَنْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ ؛ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَفْصِيلِهَا .
وَأَمَّا مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ جَاهِلاً بِوُجُوبِهَا : مِثْلُ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِلْفُقَهَاءِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ : أَحَدُهَا : عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ مُطْلَقاً .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 49
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٩