الصُّوَرَ الْمَلْعُونَ فَاعِلُهَا الَّتِي لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً هِيَ فِيهِ ، تَمْنَعُ الْهَوَاءَ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ طَلَاسِمِ الصَّابِئَةِ .
ثُمَّ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَى مَا بَلَغَنِي يَصْلُبُ بَابَ الْبَيْتِ ، وَيَخْرُجُ خَلْقٌ عَظِيمٌ فِي الْخَمِيسِ الْحَقِيرِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَعَلَى هَذَا يُبَخِّرُونَ الْقُبُورَ وَيُسَمُّونَ هَذَا الْمُتَأَخِّرَ الْخَمِيسَ الْكَبِيرَ ، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ الْخَمِيسُ الْمَهِينُ الْحَقِيرُ هُوَ وَأَهْلُهُ ، وَمَنْ يُعَظِّمُهُ ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا عُظِّمَ بِالْبَاطِلِ مِنْ مَكَان أَوْ زَمَانٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ بِنِيَّةٍ يَجِبُ قَصْدُ إهَانَتِهِ ، كَمَا تُهَانُ الْأَوْثَانُ الْمَعْبُودَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ لَوْلَا عِبَادَتُهَا لَكَانَتْ كَسَائِرِ الْأَحْجَارِ .
وَمِمَّا يَفْعَلُهُ النَّاسُ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ : أَنَّهُمْ يُوَظِّفُونَ عَلَى الْفَلَّاحِينَ وَظَائِفَ أَكْثَرُهَا كَرْهاً ؛ مِنْ الْغَنَمِ وَالدَّجَاجِ وَاللَّبَنِ وَالْبَيْضِ ، يَجْتَمِعُ فِيهَا تَحْرِيمَانِ : أَكْلُ مَالِ الْمُسْلِمِ وَالْمُعَاهَدِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَإِقَامَةُ شِعَارِ النَّصَارَى ، وَيَجْعَلُونَهُ مِيقَاتاً لِإِخْرَاجِ الْوُكَلَاءِ عَلَى الْمَزَارِعِ ، وَيَطْبُخُونَ مِنْهُ وَيَصْطَبِغُونَ فِيهِ الْبَيْضَ ، وَيُنْفِقُونَ فِيهِ النَّفَقَاتِ الْوَاسِعَةَ ، وَيُزَيِّنُونَ أَوْلَادَهُمْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَقْشَعِرُّ مِنْهَا قَلْبُ الْمُؤْمِنِ ، الَّذِي لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ ، بَلْ يَعْرِفُ الْمَعْرُوفَ ، وَيُنْكِرُ الْمُنْكَرَ .
وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَضَعُونَ ثِيَابَهُمْ تَحْتَ السَّمَاءِ رَجَاءً لِبَرَكَةِ نُزُولِ مَرْيَمَ عَلَيْهَا .
فَهَلْ يَسْتَرِيبُ مَنْ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى حَبَّةٍ مِنْ الْإِيمَانِ أَنَّ شَرِيعَةً جَاءَتْ بِمَا قَدَّمْنَا بَعْضَهُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى .
لَا يُرْضَى مِنْ شَرْعِهَا بِبَعْضِ هَذِهِ الْقَبَائِحِ .
وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ إنَّمَا هُوَ اخْتِصَاصُ أَعْيَادِ الْكُفَّارِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ أَوْ شَابَهْتهمْ فِي بَعْضِ أُمُورِهِمْ ، فَيَوْمُ الْخَمِيسِ هُوَ عِيدُهُمْ ، يَوْمُ عِيدِ الْمَائِدَةِ ، وَيَوْمُ الْأَحَدِ يُسَمُّونَهُ عِيدَ الْفِصْحِ ، وَعِيدَ النُّورِ ، وَالْعِيدَ الْكَبِيرَ .
وَلَمَّا كَانَ عِيداً صَارُوا يَصْنَعُونَ لِأَوْلَادِهِمْ فِيهِ الْبَيْضَ الْمَصْبُوغَ وَنَحْوَهُ لِأَنَّهُمْ فِيهِ يَأْكُلُونَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَيَوَانِ مِنْ لَحْمٍ وَلَبَنٍ وَبَيْضٍ ، إذْ صَوْمُهُمْ هُوَ عَنْ الْحَيَوَانِ ، وَمَا يَخْرُجُ مِنْهُ .
وَعَامَّةُ هَذِهِ الْأَعْمَالِ الْمَحْكِيَّةِ عَنْ النَّصَارَى وَغَيْرِهَا مِمَّا لَمْ يُحْكَ قَدْ زَيَّنَهَا الشَّيْطَانُ لِكَثِيرٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ ، وَجَعَلَ لَهَا فِي قُلُوبِهِمْ مَكَانَةً وَحُسْنَ ظَنٍّ ، وَزَادُوا فِي بَعْضِ ذَلِكَ وَنَقَصُوا وَقَدَّمُوا وَأَخَّرُوا وَكُلُّ مَا خُصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأَيَّامُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ وَغَيْرِهَا ، فَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُشَابِهَهُمْ فِي أَصْلِهِ وَلَا فِي وَصْفِهِ .
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضاً أَنَّهُمْ يَكْسُونَ بِالْحُمْرَةِ دَوَابَّهُمْ .
وَيَصْبُغُونَ الْأَطْعِمَةَ الَّتِي لَا تَكَادُ تُفْعَلُ فِي عِيدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَيَتَهَادَوْنَ الْهَدَايَا الَّتِي تَكُونُ فِي مِثْلِ مَوَاسِمِ الْحَجِّ .
وَعَامَّتُهُمْ قَدْ نَسَوْا أَصْلَ ذَلِكَ وَبَقِيَ عَادَةً مُطَّرِدَةً .
الفتاوى الكبرى — صفحة 483
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٨٣