تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
كَرَاهَةِ بَعْضِهِمْ لِلتَّرْجِيعِ ، وَظَنِّهِمْ أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ غَلِطَ فِي نَقْلِهِ ، وَأَنَّهُ كَرَّرَهُ لِيَحْفَظَهُ ، وَمِنْ كَرَاهَةِ مَنْ خَالَفَهُمْ لِشَفْعِ الْإِقَامَةِ ، مَعَ أَنَّهُمْ يَخْتَارُونَ أَذَانَ أَبِي مَحْذُورَةَ . هَؤُلَاءِ يَخْتَارُونَ إقَامَتَهُ ، وَيَكْرَهُونَ أَذَانَهُ ، وَهَؤُلَاءِ يَخْتَارُونَ أَذَانَهُ ، وَيَكْرَهُونَ إقَامَتَهُ . فَكِلَاهُمَا قَوْلَانِ مُتَقَابِلَانِ . وَالْوَسَطُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا . وَإِنْ كَانَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ يَخْتَارُونَ أَذَانَ بِلَالٍ وَإِقَامَتَهُ لِمُدَاوَمَتِهِ عَلَى ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِ ، فَهَذَا كَمَا يُخْتَارُ بَعْضُ الْقِرَاءَاتِ وَالتَّشَهُّدَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَمِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ فِي مِثْلِ هَذَا : أَنْ يَفْعَلَ هَذَا تَارَةً ، وَهَذَا تَارَةً ، وَهَذَا فِي مَكَان ، وَهَذَا فِي مَكَان ؛ لِأَنَّ هَجْرَ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، وَمُلَازَمَةَ غَيْرِهِ ، قَدْ يُفْضِي إلَى أَنْ يَجْعَلَ السُّنَّةَ بِدْعَةً ، وَالْمُسْتَحَبَّ وَاجِباً وَيُفْضِي ذَلِكَ إلَى التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ ، إذَا فَعَلَ آخَرُونَ الْوَجْهَ الْآخَرَ . فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُرَاعِيَ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ ، الَّتِي فِيهَا الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ . وَأَصَحُّ النَّاسِ طَرِيقَةً فِي ذَلِكَ هُمْ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ ، الَّذِينَ عَرَفُوا السُّنَّةَ وَاتَّبَعُوهَا ، إذْ مِنْ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ مَنْ اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ عُمْدَتُهُ الْعَمَلُ الَّذِي وَجَدَهُ بِبَلَدِهِ ، وَجَعَلَ ذَلِكَ السُّنَّةَ دُونَ مَا خَالَفَهُ ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ وَسَّعَ فِي ذَلِكَ ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ . وَرُبَّمَا جَعَلَ بَعْضُهُمْ أَذَانَ بِلَالٍ وَإِقَامَتَهُ مَا وَجَدَهُ فِي بَلَدِهِ ، إمَّا بِالْكُوفَةِ ، وَإِمَّا بِالشَّامِ ، وَإِمَّا بِالْمَدِينَةِ . وَبِلَالٌ لَمْ يُؤَذِّنْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا قَلِيلاً ، وَإِنَّمَا أَذَّنَ بِالْمَدِينَةِ سَعْدٌ الْقُرَظِيّ مُؤَذِّنُ أَهْلِ قُبَاءَ . وَالتَّرْجِيعُ فِي الْأَذَانِ اخْتِيَارُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، لَكِنْ مَالِكٌ يَرَى التَّكْبِيرَ مَرَّتَيْنِ ، وَالشَّافِعِيُّ يَرَاهُ أَرْبَعاً ، وَتَرْكُهُ اخْتِيَارُ أَبِي حَنِيفَةَ . وَأَمَّا أَحْمَدُ فَعِنْدَهُ كِلَاهُمَا سُنَّةٌ وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَذَانُ بِلَالٍ . وَالْإِقَامَةُ يَخْتَارُ إفْرَادَهَا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَقُولُ : إنَّ تَثْنِيَتَهَا سُنَّةٌ ، وَالثَّلَاثَةُ : أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ يَخْتَارُونَ تَكْرِيرَ لَفْظَةِ الْإِقَامَةِ ، دُونَ مَالِكٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 43 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا