الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، أَمَّا الْأُولَى فَبِالْخَفْضِ ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَبِالضَّمِّ ، وَالْمَعْنَى : أَنَّ صَاحِبَ الْجَدِّ لَا يَنْفَعُهُ مِنْكَ جَدُّهُ ، أَيْ لَا يُنْجِيهِ وَيُخَلِّصُهُ مِنْكَ جَدُّهُ ، وَإِنَّمَا يُنْجِيهِ الْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ ، وَالْجَدُّ هُوَ الْغِنَى وَهُوَ الْعَظَمَةُ وَهُوَ الْمَالُ .
بَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَنْ كَانَ لَهُ فِي الدُّنْيَا رِيَاسَةٌ وَمَالٌ ، لَمْ يُنْجِهِ ذَلِكَ وَلَمْ يُخَلِّصْهُ مِنْ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا يُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِهِ إيمَانُهُ وَتَقْوَاهُ ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ .
وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ .
وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ } .
فَبَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ ، وَهُوَ أَنْ لَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ اللَّهُ ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَاهُ ، وَلَا يُتَوَكَّلُ إلَّا عَلَيْهِ وَلَا يُسْأَلُ إلَّا هُوَ .
وَالثَّانِي : تَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ ، وَهُوَ بَيَانُ مَا يَنْفَعُ وَمَا لَا يَنْفَعُ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ أُعْطِيَ مَالاً أَوْ دُنْيَا أَوْ رِيَاسَةً كَانَ ذَلِكَ نَافِعاً لَهُ عِنْدَ اللَّهِ ، مُنْجِياً لَهُ مِنْ عَذَابِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ .
وَلَا يُعْطِي الْإِيمَانَ إلَّا مَنْ يُحِبُّ .
قَالَ تَعَالَى : { فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلّاً } .
يَقُولُ : مَا كُلُّ مَنْ وَسَّعْتُ عَلَيْهِ أَكْرَمْتُهُ ، وَلَا كُلُّ مَنْ قَدَرْت عَلَيْهِ أَكُونُ قَدْ أَهَنْته ، بَلْ هَذَا ابْتِلَاءٌ لِيَشْكُرَ الْعَبْدُ عَلَى السَّرَّاءِ ، وَيَصْبِرَ عَلَى الضَّرَّاءِ ، فَمَنْ رُزِقَ الشُّكْرَ وَالصَّبْرَ كَانَ كُلُّ قَضَاءٍ يَقْضِيهِ اللَّهُ خَيْراً لَهُ ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ قَضَاءٍ إلَّا كَانَ خَيْراً لَهُ .
وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ : إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ .
وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ } .
الفتاوى الكبرى — صفحة 420
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٢٠