327 - 15 - مَسْأَلَةٌ : فِي التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا ؟
الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، أَمَّا التَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ وَبِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، مِمَّا هُوَ مِنْ أَفْعَالِهِ ، وَأَفْعَالِ الْعِبَادِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي حَقِّهِ ، فَهُوَ مَشْرُوعٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَتَوَسَّلُونَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ ، وَتَوَسَّلُوا بَعْدَ مَوْتِهِ بِالْعَبَّاسِ عَمِّهِ كَمَا كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ : اللَّهُمَّ إنِّي أَتَوَسَّلُ إلَيْكَ بِهِ ، فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ قَوْلَانِ ، كَمَا لَهُمْ فِي الْحَلِفِ بِهِ قَوْلَانِ ، وَجُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ : كَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسُوغُ الْحَلِفُ بِهِ ، كَمَا لَا يَسُوغُ الْحَلِفُ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ ، وَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ .
وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ فِي مَنْسَكِهِ الَّذِي كَتَبَهُ لِلْمَرْوَزِيِّ صَاحِبِهِ إنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَائِهِ ، وَلَكِنْ غَيْرُ أَحْمَدَ قَالَ : إنَّ هَذَا إقْسَامٌ عَلَى اللَّهِ بِهِ ، وَلَا يُقْسَمُ عَلَى اللَّهِ بِمَخْلُوقٍ ، وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ قَدْ جَوَّزَ الْقَسَمَ بِهِ ، فَلِذَلِكَ جَوَّزَ التَّوَسُّلَ بِهِ ، وَلَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى عَنْهُ هِيَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ بِهِ ، فَلَا يُقْسَمُ عَلَى اللَّهِ بِهِ كَسَائِرِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ ، فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَداً مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ قَالَ إنَّهُ يُقْسِمُ عَلَى اللَّهِ ، كَمَا لَمْ يَقُولُوا إنَّهُ يُقْسَمُ بِهِمْ مُطْلَقاً .
وَلِهَذَا أَفْتَى أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ عَلَى اللَّهِ بِأَحَدٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ ، لَكِنْ ذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ فِي الْإِقْسَامِ بِهِ ، فَقَالَ : إنْ صَحَّ الْحَدِيثُ كَانَ خَاصّاً بِهِ ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ لَا يَدُلُّ عَلَى
الْإِقْسَامِ بِهِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ وَإِلَّا فَلْيَصْمُتْ } " .
وَقَالَ : { مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ } " .
الفتاوى الكبرى — صفحة 422
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٢٢