تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
طَبْعاً وَعَادَةً لَا شَرْعاً وَعِبَادَةً ، فَلَيْسَ مِنْ الْمَشْرُوعِ أَنْ أَدَعَ الدُّعَاءَ مُطْلَقاً لِتَقْصِيرِ هَذَا وَتَفْرِيطِهِ ، بَلْ أَفْعَلُهُ أَنَا شَرْعاً وَعِبَادَةً . ثُمَّ أَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُهُ شَرْعاً وَعِبَادَةً إنَّمَا يَسْعَى فِي مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ ، وَطَلَبِ حُظُوظِهِ الْمَحْمُودَةِ . فَهُوَ يَطْلُبُ مَصْلَحَةَ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ ، بِخِلَافِ الَّذِي يَفْعَلُهُ طَبْعاً . فَإِنَّهُ إنَّمَا يَطْلُبُ مَصْلَحَةَ دُنْيَاهُ فَقَطْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاَللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } . وَحِينَئِذٍ فَطَالِبُ الْجَنَّةِ وَالْمُسْتَعِيذُ مِنْ النَّارِ إنَّمَا يَطْلُبُ حَسَنَةَ الْآخِرَةِ فَهُوَ مَحْمُودٌ . وَمِمَّا يُبَيِّنُ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ ، أَنْ يَرُدَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَفْعَلُ مَأْمُوراً ، وَلَا يَتْرُكُ مَحْظُوراً ، فَلَا يُصَلِّي ، وَلَا يَصُومُ ، وَلَا يَتَصَدَّقُ ، وَلَا يَحُجُّ ، وَلَا يُجَاهِدُ ، وَلَا يَفْعَلُ شَيْئاً مِنْ الْقُرُبَاتِ . فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا فَائِدَتُهُ حُصُولُ الثَّوَابِ وَدَفْعُ الْعِقَابِ . فَإِذَا كَانَ هُوَ لَا يَطْلُبُ حُصُولَ الثَّوَابِ الَّذِي هُوَ الْجَنَّةُ . وَلَا دَفْعَ الْعِقَابِ الَّذِي هُوَ النَّارُ . فَلَا يَفْعَلُ مَأْمُوراً وَلَا يَتْرُكُ مَحْظُوراً . وَيَقُولُ : أَنَا رَاضٍ بِكُلِّ مَا يَفْعَلُهُ بِي وَإِنْ كَفَرْت وَفَسَقْت وَعَصَيْت . بَلْ يَقُولُ : أَنَا أَكْفُرُ وَأَفْسُقُ وَأَعْصِي حَتَّى يُعَاقِبَنِي وَأَرْضَى بِعِقَابِهِ . فَأَنَالَ دَرَجَةَ الرِّضَا بِقَضَائِهِ . وَهَذَا قَوْلُ مَنْ هُوَ أَجْهَلُ الْخَلْقِ وَأَحْمَقُهُمْ وَأَضَلُّهُمْ وَأَكْفَرُهُمْ ؛ أَمَّا جَهْلُهُ وَحُمْقُهُ فَلِأَنَّ الرِّضَا بِذَلِكَ مُمْتَنِعٌ مُتَعَذِّرٌ . لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْجَمْعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ . وَأَمَّا كُفْرُهُ فَلِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِتَعْطِيلِ دِينِ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ . وَلَا رَيْبَ أَنَّ مُلَاحَظَةَ الْقَضَاءِ وَالْقَدْرِ أَوْقَعَتْ كَثِيراً مِنْ أَهْلِ الْإِرَادَةِ مِنْ الْمُتَصَوِّفَةِ فِي أَنْ تَرَكُوا مِنْ الْمَأْمُورِ ، وَفَعَلُوا مِنْ الْمَحْظُورِ ، مَا صَارُوا بِهِ إمَّا نَاقِصِينَ مَحْرُومِينَ ، وَإِمَّا عَاصِينَ فَاسْقِينَ ، وَإِمَّا كَافِرِينَ . وَقَدْ رَأَيْت مِنْ ذَلِكَ أَلْوَاناً ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ . وَهَؤُلَاءِ الْمُعْتَزِلَةُ وَنَحْوُهُمْ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ طَرَفاً نَقِيضَ ، هَؤُلَاءِ يُلَاحِظُونَ الْقَدَرَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 417 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا