طَبْعاً وَعَادَةً لَا شَرْعاً وَعِبَادَةً ، فَلَيْسَ مِنْ الْمَشْرُوعِ أَنْ أَدَعَ الدُّعَاءَ مُطْلَقاً لِتَقْصِيرِ هَذَا وَتَفْرِيطِهِ ، بَلْ أَفْعَلُهُ أَنَا شَرْعاً وَعِبَادَةً .
ثُمَّ أَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُهُ شَرْعاً وَعِبَادَةً إنَّمَا يَسْعَى فِي مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ ، وَطَلَبِ حُظُوظِهِ الْمَحْمُودَةِ .
فَهُوَ يَطْلُبُ مَصْلَحَةَ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ ، بِخِلَافِ الَّذِي يَفْعَلُهُ طَبْعاً .
فَإِنَّهُ إنَّمَا يَطْلُبُ مَصْلَحَةَ دُنْيَاهُ فَقَطْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاَللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } .
وَحِينَئِذٍ فَطَالِبُ الْجَنَّةِ وَالْمُسْتَعِيذُ مِنْ النَّارِ إنَّمَا يَطْلُبُ حَسَنَةَ الْآخِرَةِ فَهُوَ مَحْمُودٌ .
وَمِمَّا يُبَيِّنُ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ ، أَنْ يَرُدَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَفْعَلُ مَأْمُوراً ، وَلَا يَتْرُكُ مَحْظُوراً ، فَلَا يُصَلِّي ، وَلَا يَصُومُ ، وَلَا يَتَصَدَّقُ ، وَلَا يَحُجُّ ، وَلَا يُجَاهِدُ ، وَلَا يَفْعَلُ شَيْئاً مِنْ الْقُرُبَاتِ .
فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا فَائِدَتُهُ حُصُولُ الثَّوَابِ وَدَفْعُ الْعِقَابِ .
فَإِذَا كَانَ هُوَ لَا يَطْلُبُ حُصُولَ الثَّوَابِ الَّذِي هُوَ الْجَنَّةُ .
وَلَا دَفْعَ الْعِقَابِ الَّذِي هُوَ النَّارُ .
فَلَا يَفْعَلُ مَأْمُوراً وَلَا يَتْرُكُ مَحْظُوراً .
وَيَقُولُ : أَنَا رَاضٍ بِكُلِّ مَا يَفْعَلُهُ بِي وَإِنْ كَفَرْت وَفَسَقْت وَعَصَيْت .
بَلْ يَقُولُ : أَنَا أَكْفُرُ وَأَفْسُقُ وَأَعْصِي حَتَّى يُعَاقِبَنِي وَأَرْضَى بِعِقَابِهِ .
فَأَنَالَ دَرَجَةَ الرِّضَا بِقَضَائِهِ .
وَهَذَا قَوْلُ مَنْ هُوَ أَجْهَلُ الْخَلْقِ وَأَحْمَقُهُمْ وَأَضَلُّهُمْ وَأَكْفَرُهُمْ ؛ أَمَّا جَهْلُهُ وَحُمْقُهُ فَلِأَنَّ الرِّضَا بِذَلِكَ مُمْتَنِعٌ مُتَعَذِّرٌ .
لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْجَمْعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ .
وَأَمَّا كُفْرُهُ فَلِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِتَعْطِيلِ دِينِ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ .
وَلَا رَيْبَ أَنَّ مُلَاحَظَةَ الْقَضَاءِ وَالْقَدْرِ أَوْقَعَتْ كَثِيراً مِنْ أَهْلِ الْإِرَادَةِ مِنْ الْمُتَصَوِّفَةِ فِي أَنْ تَرَكُوا مِنْ الْمَأْمُورِ ، وَفَعَلُوا مِنْ الْمَحْظُورِ ، مَا صَارُوا بِهِ إمَّا نَاقِصِينَ مَحْرُومِينَ ، وَإِمَّا عَاصِينَ فَاسْقِينَ ، وَإِمَّا كَافِرِينَ .
وَقَدْ رَأَيْت مِنْ ذَلِكَ أَلْوَاناً ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ .
وَهَؤُلَاءِ الْمُعْتَزِلَةُ وَنَحْوُهُمْ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ طَرَفاً نَقِيضَ ، هَؤُلَاءِ يُلَاحِظُونَ الْقَدَرَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 417
مساهمون: ابن تيمية
ص٤١٧