وَهَذَا مَقَامٌ فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْحَقَائِقِ وَالْأَسْرَارِ مَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْهُ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَلَا يَحْتَمِلُهُ هَذَا الْمَكَانُ ، فَإِنَّ هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِمَسَائِلِ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ ، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ مَطَالِبِ الدِّينِ وَأَشْرَفِ عُلُومِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ، وَأَدَقِّهَا عَلَى عُقُولِ أَكْثَرِ الْعَالِمِينَ .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مَشَايِخَ الصُّوفِيَّةِ وَالْعُلَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ ، قَدْ بَيَّنُوا أَنَّ مِنْ الرِّضَا مَا يَكُونُ جَائِزاً ، وَمِنْهُ مَا لَا يَكُونُ جَائِزاً ، فَضْلاً عَنْ كَوْنِهِ مُسْتَحَبّاً أَوْ مِنْ صِفَاتِ الْمُقَرَّبِينَ .
وَأَنَّ أَبَا الْقَاسِمِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الرِّسَالَةِ أَيْضاً .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ أَمْرٌ بَيِّنٌ وَاضِحٌ ، فَمِنْ أَيْنَ غَلِطَ مَنْ قَالَ : إنَّ الرِّضَا أَنْ لَا تَسْأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ، وَلَا تَسْتَعِيذَهُ مِنْ النَّارِ ، وَغَلِطَ مَنْ يَسْتَحْسِنُ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ كَائِناً مَنْ كَانَ .
قِيلَ : غَلِطُوا فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ الرَّاضِيَ بِأَمْرٍ لَا يَطْلُبُ غَيْرَ ذَلِكَ الْأَمْرِ ؛ فَالْعَبْدُ إذَا كَانَ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ ، فَمِنْ رِضَاهُ أَنْ لَا يَطْلُبَ غَيْرَ تِلْكَ الْحَالِ ، ثُمَّ إنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ أَقْصَى الْمَطَالِبِ الْجَنَّةُ ، وَأَقْصَى الْمَكَارِهِ النَّارُ ، فَقَالُوا : يَنْبَغِي أَنْ لَا يَطْلُبَ شَيْئاً ، وَلَوْ أَنَّهُ الْجَنَّةُ ، وَلَا يَكْرَهَ مَا يَنَالُهُ وَلَوْ أَنَّهُ النَّارُ ، وَهَذَا وَجْهُ غَلَطِهِمْ ، وَدَخَلَ عَلَيْهِمْ الضَّلَالُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : ظَنُّهُمْ أَنَّ الرِّضَا بِكُلِّ مَا يَكُونُ أَمْرٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ ، وَأَنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ طُرُقِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ ، فَجَعَلُوا الرِّضَا بِكُلِّ حَادِثٍ وَكَائِنٍ ، أَوْ بِكُلِّ حَالٍ يَكُونُ فِيهَا الْعِنْدُ طَرِيقاً إلَى اللَّهِ ، فَضَلُّوا ضَلَالاً مُبِيناً .
وَالطَّرِيقُ إلَى اللَّهِ إنَّمَا هِيَ أَنْ تُرْضِيَهُ أَنْ تَفْعَلَ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ ، لَيْسَ أَنْ تَرْضَى بِكُلِّ مَا يَحْدُثُ وَيَكُونُ ، فَإِنَّهُ هُوَ لَمْ يَأْمُرْك بِذَلِكَ ، وَلَا رَضِيَهُ لَك وَلَا أَحَبَّهُ ، بَلْ سُبْحَانَهُ يَكْرَهُ وَيَسْخَطُ وَيُبْغِضُ عَلَى أَعْيَانِ أَفْعَالٍ مَوْجُودَةٍ لَا يُحْصِيهَا إلَّا هُوَ .
وَوِلَايَةُ اللَّهِ مُوَافَقَتُهُ بِأَنْ تُحِبَّ مَا يُحِبُّ ، وَتُبْغِضَ مَا يُبْغِضُ ، وَتَكْرَهَ مَا يَكْرَهُ ، وَتَسْخَطَ مَا يَسْخَطُ ، وَتُوَالِيَ مَنْ يُوَالِي ، وَتُعَادِي مَنْ يُعَادِي .
فَإِذَا كُنْت تُحِبُّ وَتَرْضَى مَا يَكْرَهُهُ وَيَسْخَطُهُ كُنْت عَدُوَّهُ لَا وَلِيَّهُ ، وَكَانَ كُلُّ ذَمٍّ نَالَ مِنْ رِضَا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ قَدْ نَالَك .
الفتاوى الكبرى — صفحة 413
مساهمون: ابن تيمية
ص٤١٣