تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
فَلَا يَخْلُو : إمَّا أَنْ يَكُونَ مُلْتَفِتاً بِقَلْبِهِ إلَى اللَّهِ فِي أَنْ يَفْعَلَ بِهِ ذَلِكَ . وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْرِضاً عَنْ ذَلِكَ . فَإِنْ الْتَفَتَ بِقَلْبِهِ إلَى اللَّهِ فَهُوَ طَالِبٌ مُسْتَعِيذٌ بِحَالِهِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّلَبِ بِالْحَالِ وَالْقَالِ ، وَهُوَ بِهِمَا أَكْمَلُ وَأَتَمُّ ، فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ . وَإِنْ كَانَ مُعْرِضاً عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ ، فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يَحْيَا وَيَبْقَى ، إلَّا بِمَا يُقِيمُ حَيَاتَهُ وَيَدْفَعُ مَضَارَّهُ بِذَلِكَ . وَاَلَّذِي بِهِ يَحْيَا مِنْ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ إمَّا أَنْ يُحِبَّهُ وَيَطْلُبَهُ وَيُرِيدَهُ مِنْ أَحَدٍ ، أَوْ لَا يُحِبَّهُ وَلَا يَطْلُبَهُ وَلَا يُرِيدَهُ ، فَإِنْ أَحَبَّهُ وَطَلَبَهُ وَأَرَادَهُ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ كَانَ مُشْرِكاً مَذْمُوماً ، فَضْلاً عَنْ أَنْ يَكُونَ مَحْمُوداً ، وَإِنْ قَالَ : لَا أُحِبُّهُ وَأَطْلُبُهُ وَأُرِيدُهُ لَا مِنْ اللَّهِ وَلَا مِنْ خَلْقِهِ ، قِيلَ : هَذَا مُمْتَنِعٌ فِي الْحَيِّ ، فَإِنَّ الْحَيَّ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُحِبَّ مَا بِهِ يَبْقَى ، وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالْحِسِّ ، وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ امْتَنَعَ أَنْ يُوصَفَ بِالرِّضَا ، فَإِنَّ الرَّاضِي مَوْصُوفٌ بِحُبٍّ وَإِرَادَةٍ خَاصَّةٍ ، إذْ الرِّضَا مُسْتَلْزِمٌ لِذَلِكَ ، فَكَيْفَ يُسْلَبُ عَنْهُ ذَلِكَ كُلُّهُ . فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يُبَيِّنُ فَسَادَ هَذَا الْكَلَامِ . وَأَمَّا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَطَرِيقِهِ وَدِينِهِ فَمِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يُقَالَ : الرَّاضِي لَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَكُونُ رَاضِياً عَنْ اللَّهِ مَنْ لَا يَفْعَلُ مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ ؟ وَكَيْفَ يَسُوغُ رِضَا مَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ وَيَسْخَطُهُ وَيَذُمُّهُ وَيَنْهَى عَنْهُ ؟ . وَبَيَانُ هَذَا أَنَّ الرِّضَا الْمَحْمُودَ إمَّا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُحِبَّهُ وَيَرْضَاهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ ، لَمْ يَكُنْ هَذَا الرِّضَا مَأْمُوراً بِهِ لَا أَمْرَ إيجَابٍ وَلَا أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ ، فَإِنَّ مِنْ الرِّضَا مَا هُوَ كُفْرٌ ، كَرِضَا الْكُفَّارِ بِالشِّرْكِ ، وَقَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَكْذِيبِهِمْ ، وَرِضَاهُمْ بِمَا يَسْخَطُهُ اللَّهُ وَيَكْرَهُهُ . قَالَ تَعَالَى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } . فَمَنْ اتَّبَعَ مَا أَسْخَطَ اللَّهَ بِرِضَاهُ وَعَمَلِهِ فَقَدْ أَسْخَطَ اللَّهَ . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الْخَطِيئَةَ إذَا عُمِلَتْ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَنْ غَابَ عَنْهَا وَرَضِيَهَا كَمَنْ حَضَرَهَا ، وَمَنْ شَهِدَهَا وَسَخِطَهَا كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا وَأَنْكَرَهَا } .
الفتاوى الكبرى — صفحة 410 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا