تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
وَهَذَا وَنَحْوُهُ جَهْلٌ بِاَللَّهِ وَاعْتِدَاءٌ فِي الدُّعَاءِ ، وَإِنْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الشُّيُوخِ ، وَمِثْلَ أَنْ يَقُولُوا : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت ، فَيَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ قَدْ يَفْعَلُ الشَّيْءَ مُكْرَهاً ، وَقَدْ يَفْعَلُ مُخْتَاراً ، كَالْمُلُوكِ ، فَيَقُولُ : اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت . وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ : { لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إنْ شِئْت ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُكْرَهَ لَهُ } ، وَمِثْلُ أَنْ يَقْصِدَ السَّجْعَ فِي الدُّعَاءِ ، وَيَتَشَهَّقَ وَيَتَشَدَّقَ ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ . فَهَذِهِ الْأَدْعِيَةُ وَنَحْوُهَا مَنْهِيٌّ عَنْهَا . وَمِنْ الدُّعَاءِ مَا هُوَ مُبَاحٌ كَطَلَبِ الْفُضُولِ الَّتِي لَا مَعْصِيَةَ فِيهَا . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الرِّضَا الَّذِي هُوَ مِنْ طَرِيقِ اللَّهِ لَا يَتَضَمَّنُ تَرْكَ وَاجِبٍ ، وَلَا تَرْكَ مُسْتَحَبٍّ ، فَالدُّعَاءُ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ لَا يَكُونُ تَرْكُهُ مِنْ الرِّضَا ، كَمَا أَنَّ تَرْكَ سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ لَا يَكُونُ مِنْ الرِّضَا الْمَشْرُوعِ ، وَلَا فِعْلَ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ الْمَشْرُوعِ ، فَقَدْ تَبَيَّنَ غَلَطُ هَؤُلَاءِ مِنْ جِهَةِ ظَنِّهِمْ أَنَّ الرِّضَا مَشْرُوعٌ بِكُلِّ مَقْدُورٍ ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الدُّعَاءِ الْمَشْرُوعِ إيجَاباً وَاسْتِحْبَاباً ، وَالدُّعَاءِ غَيْرِ الْمَشْرُوعِ . وَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ طَلَبَ الْجَنَّةِ مِنْ اللَّهِ ، وَالِاسْتِعَاذَةَ بِهِ مِنْ النَّارِ ، هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَدْعِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ لِجَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ وَالنَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ ، وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ وَاجِباً أَوْ مُسْتَحَبّاً ، وَطَرِيقُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الَّتِي يَسْلُكُونَهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ فِعْلِ وَاجِبَاتٍ وَمُسْتَحَبَّاتٍ ، إذَا مَا سِوَى ذَلِكَ مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ مُبَاحٌ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ فِي الدِّينِ . ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا أَوْقَعَ هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الْغَلَطِ ، أَنَّهُمْ وَجَدُوا كَثِيراً مِنْ النَّاسِ لَا يَسْأَلُونَ اللَّهَ جَلْبَ الْمَنَافِعِ وَدَفْعَ الْمَضَارِّ حَتَّى طَلَبُ الْجَنَّةِ وَالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ النَّارِ ، مِنْ جِهَةِ كَوْنِ ذَلِكَ عِبَادَةً وَطَاعَةً وَخَيْراً ، بَلْ مِنْ جِهَةِ كَوْنِ النَّفْسِ تَطْلُبُ ذَلِكَ ، فَرَأَوْا أَنَّ مِنْ الطَّرِيقِ تَرْكُ مَا تَخْتَارُهُ النَّفْسُ وَتُرِيدُهُ ، وَأَنْ لَا يَكُونَ لِأَحَدِهِمْ إرَادَةً أَصْلاً ، بَلْ يَكُونُ مَطْلُوبُهُ الْجَرَيَانَ تَحْتَ الْقَدْرِ كَائِناً مَنْ كَانَ . وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَدْخَلَ كَثِيراً مِنْهُمْ فِي الرَّهْبَانِيَّةِ ، وَالْخُرُوجِ عَنْ الشَّرِيعَةِ ، حَتَّى تَرَكُوا مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ وَالنِّكَاحِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ ، وَمَا لَا تَتِمُّ مَصْلَحَةُ دِينِهِمْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 415 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا