إلَّا بِهِ ، فَإِنَّهُمْ رَأَوْا الْعَامَّةَ تَعُدُّ هَذِهِ الْأُمُورَ بِحُكْمِ الطَّبْعِ وَالْهَوَى وَالْعَادَةِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا تَكُونُ عِبَادَةً ، وَلَا طَاعَةً وَلَا قُرْبَةً ، فَرَأَى أُولَئِكَ الطَّرِيقَ إلَى اللَّهِ تَرْكَ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ وَالْأَفْعَالِ الطَّبِيعِيَّاتِ ، فَلَازَمُوا مِنْ الْجُوعِ وَالسَّهَرِ وَالْخَلْوَةِ وَالصَّمْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ تَرْكُ الْحُظُوظِ ، وَاحْتِمَالُ الْمَشَاقِّ ، مَا أَوْقَعَهُمْ فِي تَرْكِ وَاجِبَاتٍ وَمُسْتَحَبَّاتٍ ، وَفِعْلِ مَكْرُوهَاتٍ وَمُحَرَّمَاتٍ ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ غَيْرُ مَحْمُودٍ ، وَلَا مَأْمُورٍ بِهِ ، وَلَا طَرِيقَ إلَى اللَّهِ ، وَطَرِيقُ الْمُفَرِّطِينَ الَّذِينَ فَعَلُوا هَذِهِ الْأَفْعَالَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْعِبَادَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ ، وَطَرِيقُ الْمُعْتَدِينَ الَّذِينَ تَرَكُوا هَذِهِ الْأَفْعَالَ ، بَلْ الْمَشْرُوعُ أَنْ تُفْعَلَ بِنِيَّةِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ ، وَأَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً } ، وَقَالَ تَعَالَى : { كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ } فَأَمَرَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، فَمَنْ أَكَلَ وَلَمْ يَشْكُرْ كَانَ مَذْمُوماً ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْكُرْ كَانَ مَذْمُوماً .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا ، وَيَشْرَبَ الشُّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا } .
{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدٍ : إنَّك لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَّا ازْدَدْت بِهَا دَرَجَةً وَرِفْعَةً حَتَّى اللُّقْمَةَ تَضَعَهَا فِي فِي امْرَأَتِك } .
وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضاً أَنَّهُ قَالَ : { نَفَقَةُ الْمُؤْمِنِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةً } .
فَكَذَلِكَ الْأَدْعِيَةُ هُنَا مِنْ النَّاسِ مَنْ يَسْأَلُ اللَّهَ جَلْبَ الْمَنْفَعَةِ لَهُ وَدَفْعَ الْمَضَرَّةِ عَنْهُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 416
مساهمون: ابن تيمية
ص٤١٦