وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ ، فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ ، وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ هَلَكَ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنْ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } .
فَرِضَانَا عَنْ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ لَيْسَ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ ، وَهُوَ لَا يَرْضَى عَنْهُمْ ، وَقَالَ تَعَالَى : { أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا قَلِيلٌ } .
فَهَذَا رِضًى قَدْ ذَمَّهُ اللَّهُ .
وَقَالَ تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا } فَهَذَا أَيْضاً رِضاً مَذْمُومٌ ، وَسِوَى هَذَا وَهَذَا كَثِيرٌ .
فَمَنْ رَضِيَ بِكُفْرِهِ وَكُفْرِ غَيْرِهِ ، وَفِسْقِهِ وَفِسْقِ غَيْرِهِ ، وَمَعَاصِيهِ وَمَعَاصِي غَيْرِهِ ، فَلَيْسَ هُوَ مُتَّبِعاً لِرِضَا اللَّهِ ، وَلَا هُوَ مُؤْمِنٌ بِاَللَّهِ ، بَلْ هُوَ مُسْخِطٌ لِرَبِّهِ ، وَرَبُّهُ غَضْبَانٌ عَلَيْهِ لَاعِنٌ لَهُ ، ذَامٌّ لَهُ مُتَوَعِّدٌ لَهُ بِالْعِقَابِ .
وَطَرِيقُ اللَّهِ الَّتِي يَأْمُرُ بِهَا الْمَشَايِخُ الْمُهْتَدُونَ ، إنَّمَا هِيَ الْأَمْرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ .
فَمَنْ أَمَرَ ، أَوْ اسْتَحَبَّ ، أَوْ مَدَحَ الرِّضَا الَّذِي يَكْرَهُهُ اللَّهُ وَيَذُمُّهُ ، وَيَنْهَى عَنْهُ ، وَيُعَاقِبُ أَصْحَابَهُ ، فَهُوَ عَدُوٌّ لِلَّهِ ، لَا وَلِيٌّ لِلَّهِ ، وَهُوَ يَصُدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَطَرِيقُهُ لَيْسَ بِسَالِكٍ لِطَرِيقِهِ وَسَبِيلِهِ .
وَإِذَا كَانَ الرِّضَا الْمَوْجُودُ فِي بَنِي آدَمَ مِنْهُ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ ، وَمِنْهُ مَا يَكْرَهُهُ وَيَسْخَطُهُ ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُبَاحٌ لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا ، كَسَائِرِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ مِنْ الْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كُلُّهَا تَنْقَسِمُ إلَى مَحْبُوبٍ لِلَّهِ ، وَمَكْرُوهٍ لِلَّهِ ، وَمُبَاحٍ ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، فَالرَّاضِي الَّذِي لَا يَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ ، وَلَا يَسْتَعِيذُهُ مِنْ النَّارِ يُقَالُ لَهُ : سُؤَالُ اللَّهِ الْجَنَّةَ وَاسْتِعَاذَتُهُ مِنْ النَّارِ ، إمَّا أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَبَّةً ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُبَاحَةً ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَكْرُوهَةً ، وَلَا يَقُولُ مُسْلِمٌ : إنَّهَا مُحَرَّمَةٌ وَلَا مَكْرُوهَةٌ ، وَلَيْسَتْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 411
مساهمون: ابن تيمية
ص٤١١