مُضِرَّةً ، وَلَا فِتْنَةً مُضِلَّةً ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ } .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ ، عَنْ صُهَيْبٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِداً يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ .
فَيَقُولُونَ : مَا هُوَ ؟ أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا ، وَيُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا ، وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ ، وَيُجِرْنَا مِنْ النَّارِ ، قَالَ : فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ .
فَمَا أَعْطَاهُمْ شَيْئاً أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِ } .
وَكُلَّمَا كَانَ الشَّيْءُ أَحَبَّ ، كَانَتْ اللَّذَّةُ بِنَيْلِهِ أَعْظَمَ .
وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَمَشَايِخِ الطَّرِيقِ .
كَمَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : " لَوْ عَلِمَ الْعَابِدُونَ بِأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ لَذَابَتْ نُفُوسُهُمْ فِي الدُّنْيَا شَوْقاً إلَيْهِ " .
وَكَلَامُهُمْ فِي ذَلِكَ كَثِيرٌ .
ثُمَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَافَقُوا السَّلَفَ وَالْأَئِمَّةَ وَالْمَشَايِخَ عَلَى التَّنَعُّمِ بِالنَّظَرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، تَنَازَعُوا فِي مَسْأَلَةِ الْمَحَبَّةِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ ذَلِكَ ، فَذَهَبَ طَوَائِفُ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ نَفْسَهُ ، وَإِنَّمَا الْمَحَبَّةُ مَحَبَّةُ طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ ، وَقَالُوا : هُوَ أَيْضاً لَا يُحِبُّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّمَا مَحَبَّتُهُ إرَادَتُهُ لِلْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ وَوِلَايَتُهُمْ ، وَدَخَلَ فِي هَذَا الْقَوْلِ مَنْ انْتَسَبَ إلَى نَصْرِ السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ ، حَتَّى وَقَعَ فِيهِ طَوَائِفُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ، كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ ، وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى ، وَأَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ ، وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ .
وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ شُعْبَةٌ مِنْ التَّجَهُّمِ وَالِاعْتِزَالِ ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَنْكَرَ الْمَحَبَّةَ فِي الْإِسْلَامِ : الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ أُسْتَاذُ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ ، فَضَحَّى بِهِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسَرِيُّ ، وَقَالَ : " أَيُّهَا النَّاسُ ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ ، فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ " .
فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إبْرَاهِيمُ خَلِيلاً ، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيماً ، ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ .
وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَمَشَايِخُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 403
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٠٣