تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
الْمَحَبَّةَ لَيْسَتْ إلَّا هَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي يَتَنَعَّمُ فِيهَا الْمَخْلُوقُ ، وَلَكِنْ وَافَقُوا السَّلَفَ وَالْأَئِمَّةَ عَلَى إثْبَاتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ ، وَالتَّنَعُّمِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ ، وَأَضَافُوا مِنْ ذَلِكَ ، وَجَعَلُوا يَطْلُبُونَ هَذَا النَّعِيمَ وَتَسْمُو إلَيْهِ هِمَّتُهُمْ ، وَيَخَافُونَ فَوْتَهُ ، وَصَارَ أَحَدُهُمْ يَقُولُ : " مَا عَبَّدْتُك شَوْقاً إلَى جَنَّتِك أَوْ خَوْفاً مِنْ نَارِك ، وَلَكِنْ لِأَنْظُرَ إلَيْك وَإِجْلَالاً لَك " . وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مَقْصُودُهُمْ بِذَلِكَ هُوَ أَعْلَى مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَالتَّمَتُّعِ بِالْمَخْلُوقِ ، لَكِنْ غَلِطُوا فِي إخْرَاجِ ذَلِكَ مِنْ الْجَنَّةِ . وَقَدْ يَغْلَطُونَ أَيْضاً فِي ظَنِّهِمْ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِلَا حَظٍّ وَلَا إرَادَةٍ ، وَأَنَّ كُلَّ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ فَهُوَ حَظُّ النَّفْسِ ، وَتَوَهَّمُوا أَنَّ الْبَشَرَ يَعْمَلُ بِلَا إرَادَةٍ وَلَا مَطْلُوبٍ وَلَا مَحْبُوبٍ ، وَمِنْ سُوءِ مَعْرِفَةٍ بِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ وَالدِّينِ وَالْآخِرَةِ . وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ هِمَّةَ أَحَدِهِمْ الْمُتَعَلِّقَةَ بِمَطْلُوبِهِ وَمَحْبُوبِهِ وَمَعْبُودِهِ تَنْفِيهِ عَنْ نَفْسِهِ ، حَتَّى لَا يَشْعُرَ بِنَفْسِهِ وَإِرَادَتِهَا ، فَيَظُنُّ أَنَّهُ يَفْعَلُ لِغَيْرِ مُرَادِهِ ، وَاَلَّذِي طَلَبَ وَعَلَّقَ بِهِ هِمَّتَهُ غَايَةَ مُرَادِهِ وَمَطْلُوبِهِ وَمَحْبُوبِهِ ، وَهَذَا كَحَالِ كَثِيرٍ مِنْ الصَّالِحِينَ وَالصَّادِقِينَ ، وَأَرْبَابُ الْأَحْوَالِ وَالْمَقَامَاتِ ، يَكُونُ لِأَحَدِهِمْ وَجْدٌ صَحِيحٌ ، وَذَوْقٌ سَلِيمٌ ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ عِبَارَةٌ تُبَيِّنُ كَلَامَهُ ، فَيَقَعُ فِي كَلَامِهِ غَلَطٌ وَسُوءُ أَدَبٍ ، مَعَ صِحَّةِ مَقْصُودِهِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقَعُ مِنْهُ فِي مُرَادِهِ وَاعْتِقَادِهِ . فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ إذَا عَنَوْا بِهِ طَلَبَ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَصَابُوا فِي ذَلِكَ ، لَكِنْ أَخْطَئُوا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا ذَلِكَ خَارِجاً عَنْ الْجَنَّةِ فَأَسْقَطُوا حُرْمَةَ اسْمِ الْجَنَّةِ ، وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أُمُورٌ مُنْكَرَةٌ ، نَظِيرَ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الشِّبْلِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ سَمِعَ قَارِئاً يَقْرَأُ : { مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ } ، فَصَرَخَ ، وَقَالَ : أَيْنَ مُرِيدُ اللَّهِ ، فَيُحْمَدُ مِنْهُ كَوْنُهُ أَرَادَ اللَّهَ ، وَلَكِنْ غَلِطَ فِي ظَنِّهِ أَنَّ الَّذِينَ أَرَادُوا الْآخِرَةَ مَا أَرَادُوا اللَّهَ ، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ بِأُحُدٍ وَهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ ، فَإِنْ لَمْ يُرِيدُوا اللَّهَ ، أَفَيُرِيدُ اللَّهُ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ كَالشِّبْلِيِّ وَأَمْثَالِهِ ؟ وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا أَعْرِفُهُ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ سُئِلَ مَرَّةً عَنْ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 405 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا