تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
وَالْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ كَانَ أَعْلَى طَبَقَةً مِنْ هَؤُلَاءِ ، وَابْتُلِيَ بِعُسْرِ الْبَوْلِ فَغَلَبَهُ الْأَلَمُ حَتَّى قَالَ : بِحُبِّي لَك أَلَا فَرَّجْت عَنِّي ، فَفُرِّجَ عَنْهُ . وَرُوَيْمٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ رُفَقَاءِ الْجُنَيْدِ ، فَلَيْسَ هُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ ، بَلْ الصُّوفِيَّةُ يَقُولُونَ إنَّهُ رَجَعَ إلَى الدُّنْيَا ، وَتَرَكَ التَّصَوُّفَ ، حَتَّى رُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الْخُلْدِيِّ صَاحِبِ الْجُنَيْدِ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَكَتَّمَ سِرّاً فَلْيَفْعَلْ كَمَا فَعَلَ رُوَيْمٌ ، كَتَمَ حُبَّ الدُّنْيَا أَرْبَعِينَ سَنَةً ، فَقِيلَ : وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : وَلِيَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي قَضَاءَ بَغْدَادَ ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا مَوَدَّةٌ أَكِيدَةٌ فَجَذَبَهُ إلَيْهِ ، وَجَعَلَهُ وَكِيلاً عَلَى بَابِهِ ، فَتَرَكَ لُبْسَ التَّصَوُّفِ ، وَلَبِسَ الْخَزَّ وَالْقَصَبَ وَالدَّيْبَقَى ، وَأَكَلَ الطَّيِّبَاتِ وَبَنَى الدُّورَ ، وَإِذَا هُوَ كَانَ يَكْتُمُ حُبَّ الدُّنْيَا مَا لَمْ يَجِدْهَا ، فَلَمَّا وَجَدَهَا ظَهَرَ مَا كَانَ يَكْتُمُ مِنْ حُبِّهَا . هَذَا مَعَ أَنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ لَهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ ، وَكَانَ عَلَى مَذْهَبِ دَاوُد . وَهَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْ صَاحِبِ حَالٍ ، لَمْ يُفَكِّرْ فِي لَوَازِمِ أَقْوَالِهِ وَعَوَاقِبِهَا ، لَا تَجْعَلُ طَرِيقَةً وَلَا تَتَّخِذُ سَبِيلاً ، وَلَكِنْ قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَا لِصَاحِبِهَا مِنْ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَمَا مَعَهُ مِنْ التَّقْصِيرِ فِي مَعْرِفَةِ حُقُوقِ الطَّرِيقِ ، وَمَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِنْ التَّقْوَى وَالصَّبْرِ ، وَالرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَعْلَمُ بِطَرِيقِ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَأَهْدَى وَأَنْصَحُ ، فَمَنْ خَرَجَ عَنْ سُنَّتِهِمْ وَسَبِيلِهِمْ كَانَ مَنْقُوصاً مُخْطِئاً مَحْرُوماً ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاصِياً أَوْ فَاسِقاً أَوْ كَافِراً . وَيُشْبِهُ هَذَا { الْأَعْرَابِيُّ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَرِيضٌ كَالْفَرْخِ ، فَقَالَ : هَلْ كُنْت تَدْعُو اللَّهَ بِشَيْءٍ ؟ قَالَ : كُنْت أَقُولُ : اللَّهُمَّ مَا كُنْت مُعَذِّبُنِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَاجْعَلْهُ فِي الدُّنْيَا ، فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ لَا تَسْتَطِيعُهُ وَلَا تُطِيقُهُ ، هَلَّا قُلْت : { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } } . فَهَذَا أَيْضاً حَمَلَهُ خَوْفُهُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ ، وَمَحَبَّتُهُ لِسَلَامَةِ عَاقِبَتِهِ ، عَلَى أَنْ يَطْلُبَ تَعْجِيلَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا ، وَكَانَ مُخْطِئاً فِي ذَلِكَ غَالِطاً . وَالْخَطَأُ وَالْغَلَطُ مَعَ حُسْنِ الْقَصْدِ وَسَلَامَتِهِ ، وَصَلَاحِ الرَّجُلِ وَفَضْلِهِ ، وَدِينِهِ وَزُهْدِهِ ، وَوَرَعِهِ وَكَرَامَاتِهِ ، كَثِيرٌ جِدّاً ، فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ وَلِيِّ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ مَعْصُوماً مِنْ