تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
الْخَطَأِ وَالْغَلَطِ ، بَلْ وَلَا مِنْ الذُّنُوبِ ، وَأَفْضَلُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ بَعْدَ الرُّسُلِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ لَمَّا عَبَّرَ الرُّؤْيَا : { أَصَبْت بَعْضاً وَأَخْطَأْت بَعْضاً } . وَيُشْبِهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّ أَبَا سُلَيْمَانَ لَمَّا قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ : لَوْ أَلْقَانِي فِي النَّارِ لَكُنْت بِذَلِكَ رَاضِياً ، أَنْ يَكُونَ بَعْضُ النَّاسِ حَكَاهُ بِمَا فَهِمَهُ مِنْ الْمَعْنَى أَنَّهُ قَالَ : الرِّضَا أَنْ لَا تَسْأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَلَا تَسْتَعِيذَهُ مِنْ النَّارِ . وَتِلْكَ الْكَلِمَةُ الَّتِي قَالَهَا أَبُو سُلَيْمَانَ ، مَعَ أَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِذَلِكَ ، وَلَكِنْ تَدُلُّ عَلَى عَزْمِهِ بِالرِّضَا بِذَلِكَ ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْعَزْمَ لَا يَسْتَمِرُّ ، بَلْ يَنْفَسِخُ ، وَأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ كَانَ تَرْكُهَا أَحْسَنَ مِنْ قَوْلِهَا ، وَأَنَّهَا مُسْتَدْرَكَةٌ ، كَمَا اسْتَدْرَكَتْ دَعْوَى سَمْنُونٍ ، وَرُوَيْمٍ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ ، فَإِنَّ بَيْنَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَتِلْكَ فَرْقاً عَظِيماً ، فَإِنَّ تِلْكَ الْكَلِمَةَ مَضْمُونُهَا أَنَّ مَنْ سَأَلَ الْجَنَّةَ وَاسْتَعَاذَ مِنْ النَّارِ لَا يَكُونُ رَاضِياً . وَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَقُولُ : أَنَا إذْ أَفْعَلُ كَذَا كُنْت رَاضِياً ، وَبَيْنَ مَنْ يَقُولُ : لَا يَكُونُ رَاضِياً إلَّا مَنْ لَا يَطْلُبُ خَيْراً ، وَلَا يَهْرُبُ مِنْ شَرٍّ . وَبِهَذَا وَغَيْرِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا سُلَيْمَانَ كَانَ أَجَلَّ مِنْ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ ، فَإِنَّ الشَّيْخَ أَبَا سُلَيْمَانَ مِنْ أَجِلَّاءِ الْمَشَايِخِ وَسَادَاتِهِمْ ، وَمِنْ أَتْبَعِهِمْ لِلشَّرِيعَةِ ، حَتَّى إنَّهُ قَالَ : " إنَّهُ لَيَمُرُّ بِقَلْبِيِّ النُّكْتَةُ مِنْ نُكَتِ الْقَوْمِ فَلَا أَقْبَلُهَا إلَّا بِشَاهِدَيْنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ " ، فَمَنْ لَا يَقْبَلُ نُكَتَ قَلْبِهِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ ؟ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ أَيْضاً : لَيْسَ لِمَنْ أُلْهِمَ شَيْئاً مِنْ الْخَيْرِ أَنْ يَفْعَلَهُ حَتَّى يَسْمَعَ فِيهِ بِأَثَرٍ ، فَإِذَا سَمِعَ فِيهِ بِأَثَرٍ كَانَ نُوراً عَلَى نُورٍ ، بَلْ صَاحِبُهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيُّ كَانَ مِنْ أَتْبَعْ الْمَشَايِخِ لِلسُّنَّةِ ، فَكَيْفَ أَبُو سُلَيْمَانَ . وَتَمَامُ تَزْكِيَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ تَظْهَرُ بِالْكَلَامِ فِي الْمَقَامِ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ كَائِناً مَنْ كَانَ : " الرِّضَا أَنْ لَا تَسْأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَلَا تَسْتَعِيذَهُ مِنْ النَّارِ " . وَتَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةٌ تَبَيَّنَ بِهَا أَصْلُ مَا وَقَعَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مِنْ الِاشْتِبَاهِ وَالِاضْطِرَابِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 401 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا