تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
مِثْلُ الضَّعِيفِ وَغَيْرُ الضَّعِيفِ ، فَأَمَّا إذَا عَرَفَ ذَلِكَ فَلَا يَبْقَى حُجَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ ، كَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَارَةً يَحْفَظُ الْإِسْنَادَ ، وَتَارَةً يَغْلَطُ فِيهِ . وَالْكُتُبُ الْمُسْنَدَةُ فِي أَخْبَارِ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ وَكَلَامِهِمْ ، مِثْلُ كِتَابِ " حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ " لِأَبِي نُعَيْمٍ ، " وَطَبَقَاتِ الصُّوفِيَّةِ " لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، " وَصِفَةِ الصَّفْوَةِ " لِابْنِ الْجَوْزِيِّ ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، أَلَا تَرَى الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ مُسْنَداً حَيْثُ قَالَ : " قَالَ لِأَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَوَارِيِّ : يَا أَحْمَدُ ، لَقَدْ أُوتِيت مِنْ الرِّضَا نَصِيباً لَوْ أَلْقَانِي فِي النَّارِ لَكُنْت بِذَلِكَ رَاضِياً ، فَهَذَا الْكَلَامُ مَأْثُورٌ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ بِالْإِسْنَادِ ، وَلِهَذَا أَسْنَدَهُ عَنْهُ الْقُشَيْرِيُّ مِنْ طَرِيقِ شَيْخِهِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، بِخِلَافِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ فَإِنَّهَا لَمْ تُسْنَدْ عَنْهُ ، فَلَا أَصْلَ لَهَا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ " . ثُمَّ إنَّ الْقُشَيْرِيَّ قَرَنَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ الثَّانِيَةَ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ بِكَلِمَةٍ أَحْسَنَ مِنْهَا ، فَإِنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَرْوِيَهَا قَالَ : " وَسُئِلَ أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَسْأَلُك الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَا } فَقَالَ : لِأَنَّ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَا هُوَ الرِّضَا " ، فَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عُثْمَانَ كَلَامٌ حَسَنٌ سَدِيدٌ . ثُمَّ أَسْنَدَ بَعْدَ هَذَا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُ قَالَ : " أَرْجُو أَنْ أَكُونَ قَدْ عَرَفْت طُرُقاً مِنْ الرِّضَا ، لَوْ أَنَّهُ أَدْخَلَنِي النَّارَ لَكُنْت بِذَلِكَ رَاضِياً " . فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ لَيْسَ هُوَ رِضاً ، وَإِنَّمَا هُوَ عَزْمٌ عَلَى الرِّضَا ، وَإِنَّمَا الرِّضَا مَا يَكُونُ بَعْدَ الْقَضَا . وَإِنْ كَانَ هَذَا عَزْماً ، فَالْعَزْمُ قَدْ يَدُومُ ، وَقَدْ يَنْفَسِخُ ، وَمَا أَكْثَرَ انْفِسَاخِ الْعَزَائِمِ ، خُصُوصاً عَزَائِمُ الصُّوفِيَّةِ ، وَلِهَذَا قِيلَ لِبَعْضِهِمْ : " بِمَاذَا عَرَفْت رَبَّك ، قَالَ : بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ فِي بَعْضِ الْهِمَمِ " . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِمَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } . وَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ } .
الفتاوى الكبرى — صفحة 398 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا