تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
مُتَضَرِّعاً ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ : يَا بْنَ عِمْرَانَ رِضَائِي فِي رِضَاك عَنِّي " . فَهَذِهِ الْحِكَايَةُ الْإِسْرَائِيلِيَّة فِيهَا نَظَرٌ ، فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ : لَا يَصْلُحُ أَنْ يُحْكَى مِثْلُهَا عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْإِسْرَائِيلِيَّات لَيْسَ لَهَا إسْنَادٌ ، وَلَا يَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ فِي شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ إلَّا إذَا كَانَتْ مَنْقُولَةً لَنَا نَقْلاً صَحِيحاً ، مِثْلَ مَا ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّنَا أَنَّهُ حَدَّثَنَا بِهِ عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ، وَلَكِنْ مِنْهُ مَا يُعْلَمُ كَذِبُهُ مِثْلَ هَذِهِ ، فَإِنَّ مُوسَى مِنْ أَعْظَمِ أُولِي الْعَزْمِ وَأَكَابِرِ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَيْفَ يُقَالُ : إنَّهُ لَا يُطِيقُ أَنْ يَعْمَلَ مَا يَرْضَى اللَّهُ بِهِ عَنْهُ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى رَاضٍ عَنْ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ، أَفَلَا يَرْضَى عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ . كَلِيمِ الرَّحْمَنِ . وَقَالَ تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } . وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَفْضَلِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ مُوسَى بِمَزِيَّةٍ فَوْقَ الرِّضَا حَيْثُ قَالَ : { وَأَلْقَيْت عَلَيْك مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } . ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ فِي الْخِطَابِ : ( يَا ابْنَ عُمْرَانِ ) مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنْ خِطَابِهِ فِي الْقُرْآنِ حَيْثُ قَالَ : { يَا مُوسَى } . وَذَلِكَ الْخِطَابُ فِيهِ نَوْعُ غَضٍّ مِنْهُ كَمَا يَظْهَرُ . وَمِثْلُ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ قِيلَ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الرِّضَا ، فَإِنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَرْضَى وَإِلَّا فَاصْبِرْ ، فَهَذَا الْكَلَامُ كَلَامٌ حَسَنٌ ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ إسْنَادُهُ . وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ فِيمَا ذَكَرَهُ مُسْنَداً وَمُرْسَلاً وَمُعَلَّقاً مَا هُوَ صَحِيحٌ وَغَيْرُهُ ، فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ لَمْ يَذْكُرْهَا عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ إلَّا مُرْسَلَةً . وَبِمِثْلِ ذَلِكَ لَا تَثْبُتُ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ ، فَإِنَّهُ وَإِنْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ : إنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ ، فَهَذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْمُرْسَلَ هُوَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 397 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا