وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك } .
فَيَجْمَعُ بَيْنَ طَاعَةِ الْأَمْرِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَصَائِبِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } .
وَقَالَ يُوسُفُ : { إنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ عَنْ النَّصْرِ آبَادِي مِنْ أَحْسَنِ الْكَلَامِ ، حَيْثُ قَالَ : " مَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْلُغَ مَحَلَّ الرِّضَا فَلْيَلْزَمْ مَا جَعَلَ اللَّهُ رِضَاهُ فِيهِ " ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ : " إذَا سَلَا الْعَبْدُ عَنْ الشَّهَوَاتِ فَهُوَ رَاضٍ " ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ إنَّمَا يَمْنَعُهُ مِنْ الرِّضَا وَالْقَنَاعَةِ طَلَبُ نَفْسِهِ لِفُضُولِ شَهَوَاتِهَا ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ سَخَطَ ، فَإِذَا سَلَا عَنْ شَهَوَاتِ نَفْسِهِ رَضِيَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ الرِّزْقِ .
وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ، عَنْ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ أَنَّهُ قَالَ ، لِبِشْرٍ الْحَافِي : " الرِّضَا أَفْضَلُ مِنْ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ الرَّاضِيَ لَا يَتَمَنَّى فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ " ، كَلَامٌ حَسَنٌ ، لَكِنْ أَشُكُّ فِي سَمَاعِ بِشْرٍ الْحَافِي مِنْ الْفُضَيْلِ .
وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مُعَلَّقاً قَالَ : " قَالَ الشِّبْلِيُّ بَيْنَ يَدَيْ الْجُنَيْدِ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ ، فَقَالَ : الْجُنَيْدُ : قَوْلُك ذَا ضَيِّقُ الصَّدْرِ ، وَضِيقُ الصَّدْرِ لِتَرْكِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ ، " فَإِنَّ هَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْكَلَامِ .
وَكَانَ الْجُنَيْدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَيِّدَ الطَّائِفَةِ وَمِنْ أَحْسَنِهِمْ تَعْلِيماً وَتَأْدِيباً وَتَقْوِيماً .
وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ كَلِمَةُ اسْتِعَانَةٍ لَا كَلِمَةُ اسْتِرْجَاعٍ ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَقُولُهَا عِنْدَ الْمَصَائِبِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِرْجَاعِ ، وَيَقُولُهَا جَزَعاً لَا صَبْراً ، فَالْجُنَيْدُ أَنْكَرَ عَلَى الشِّبْلِيِّ فِي سَبَبِ قَوْلِهِ لَهَا ، إذْ كَانَتْ حَالاً يُنَافِي الرِّضَا ، وَلَوْ قَالَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ .
وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ آثَارٌ ضَعِيفَةٌ مِثْلُ مَا ذَكَرَهُ مُعَلَّقاً قَالَ : " وَقِيلَ : قَالَ مُوسَى : إلَهِي دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إذَا عَمِلْته رَضِيت عَنِّي ، فَقَالَ : إنَّك لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ، فَخَرَّ مُوسَى سَاجِداً
الفتاوى الكبرى — صفحة 396
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٩٦