الْمَالَ إذَا أَوْدَعَهُ الرَّجُلَ الْمَجْهُولَ فَقَدْ يَخُونُهُ فِيهِ ، وَقَدْ يُضَيِّعُهُ .
وَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَوْ أَخْطَأَ أَوْ نَسِيَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِذَلِكَ الْمَأْمُومِ ، كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَئِمَّتُكُمْ يُصَلُّونَ لَكُمْ وَلَهُمْ .
فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ } .
فَجَعَلَ خَطَأَ الْإِمَامِ عَلَى نَفْسِهِ دُونَهُمْ ، وَقَدْ صَلَّى عُمَرُ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَهُوَ جُنُبٌ نَاسِياً لِلْجَنَابَةِ ، فَأَعَادَ وَلَمْ يَأْمُرْ الْمَأْمُومِينَ بِالْإِعَادَةِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ .
وَكَذَلِكَ لَوْ فَعَلَ الْإِمَامُ مَا يَسُوغُ عِنْدَهُ ، وَهُوَ عِنْدَ الْمَأْمُومِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ ، مِثْلَ أَنْ يَفْتَصِدَ وَيُصَلِّيَ وَلَا يَتَوَضَّأَ ، أَوْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ ، أَوْ يَتْرُكَ الْبَسْمَلَةَ ، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ صَلَاتَهُ تَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ ، وَالْمَأْمُومُ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ ، بَلْ فِي أَنَصِّهِمَا عَنْهُ ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، اخْتَارَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ .
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْإِمَامَ صَلَّى بِلَا وُضُوءٍ مُتَعَمِّداً ، وَالْمَأْمُومُ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى مَاتَ الْمَأْمُومُ ، لَمْ يُطَالِبْ اللَّهُ الْمَأْمُومَ بِذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إثْمٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُصَلِّي بِلَا وُضُوءٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَهُ ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُصَلٍّ : بَلْ لَاعِبٌ ، وَلَوْ عَلِمَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَنَّهُ صَلَّى بِلَا وُضُوءٍ فَفِي الْإِعَادَةِ نِزَاعٌ .
وَلَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ أَنَّ الْإِمَامَ مُبْتَدِعٌ يَدْعُو إلَى بِدْعَتِهِ ، أَوْ فَاسِقٌ ظَاهِرُ الْفِسْقِ ، وَهُوَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ الَّذِي لَا تُمْكِنُ الصَّلَاةُ إلَّا خَلْفَهُ ، كَإِمَامِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ ، وَالْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْحَجِّ بِعَرَفَةَ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .
فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُصَلِّي خَلْفَهُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ .
وَلِهَذَا قَالُوا فِي الْعَقَائِدِ : إنَّهُ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَ خَلْفَ كُلِّ إمَامٍ بَرّاً كَانَ أَوْ فَاجِراً ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ إلَّا إمَامٌ وَاحِدٌ ، فَإِنَّهَا تُصَلِّي خَلْفَهُ الْجَمَاعَاتُ ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فَاسِقاً .
هَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ : أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَغَيْرِهِمَا ، بَلْ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَدَ .
وَمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْفَاجِرِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ .
وَغَيْرِهِ ، مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ .
كَمَا ذَكَرَهُ فِي رِسَالَةِ ؟ عَبْدُوسٍ .
وَابْنُ مَالِكٍ ، وَالْعَطَّارُ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 307
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٠٧