لِلشَّافِعِيِّ ، وَرِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا يُرَجِّحُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَالْأَظْهَرُ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، كَمَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ } فَهَذَا نَصٌّ عَامٌّ فِي جَمِيعِ صُوَرِ إدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ ، سَوَاءٌ كَانَ إدْرَاكَ جَمَاعَةٍ أَوْ إدْرَاكَ الْوَقْتِ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْفَجْرِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْفَجْرَ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ } .
وَهَذَا نَصٌّ فِي رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ .
وَقَدْ عَارَضَ هَذَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ : { مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً } وَظَنُّوا أَنَّ هَذَا يَتَنَاوَلُ مَا إذَا أَدْرَكَ السَّجْدَةَ الْأُولَى ، وَهَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّجْدَةِ الرَّكْعَةُ ، كَمَا فِي حَدِيثِ { ابْنِ عُمَرَ : حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَهَا وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ } إلَى آخِرِهِ .
وَفِي اللَّفْظِ الْمَشْهُورِ " رَكْعَتَيْنِ " وَكَمَا رُوِيَ : { أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ سَجْدَتَيْنِ } وَهُمَا رَكْعَتَانِ ، كَمَا جَاءَ ذَلِكَ مُفَسَّراً فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ .
وَمَنْ سَجَدَ الْوِتْرَ سَجْدَتَيْنِ مُجَرَّدَتَيْنِ عَمَلاً بِهَذَا فَهُوَ غَالِطٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ .
وَأَيْضاً فَإِنَّ الْحُكْمَ عِنْدَهُمْ لَيْسَ مُتَعَلِّقاً بِإِدْرَاكِ سَجْدَةٍ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ ، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا بِالْحَدِيثِ .
فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الْمُدْرَكُ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ وَكَانَ بَعْدَهَا جَمَاعَةٌ أُخْرَى فَصَلَّى مَعَهُمْ فِي جَمَاعَةٍ صَلَاةً تَامَّةً فَهَذَا أَفْضَلُ ، فَإِنَّ هَذَا يَكُونُ مُصَلِّياً فِي جَمَاعَةٍ ؛ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُدْرَكُ رَكْعَةً أَوْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ ، وَقُلْنَا : إنَّهُ يَكُونُ بِهِ مُدْرِكاً لِلْجَمَاعَةِ ، فَهُنَا قَدْ تَعَارَضَ إدْرَاكُهُ لِهَذِهِ الْجَمَاعَةِ ، وَإِدْرَاكُهُ لِلثَّانِيَةِ مِنْ أَوَّلِهَا ، فَإِنَّ إدْرَاكَ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَوَّلِهَا أَفْضَلُ .
كَمَا جَاءَ فِي إدْرَاكِهَا بِحَدِّهَا ، فَإِنْ كَانَتْ الْجَمَاعَتَانِ سَوَاءً فَالثَّانِيَةُ أَفْضَلُ ، وَإِنْ تَمَيَّزَتْ الْأُولَى بِكَمَالِ الْفَضِيلَةِ ، أَوْ كَثْرَةِ الْجَمْعِ ، أَوْ فَضْلِ الْإِمَامِ ، أَوْ كَوْنِهَا الرَّاتِبَةَ ، فَهِيَ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ أَفْضَلُ ، وَتِلْكَ مِنْ جِهَةِ إدْرَاكِهَا بِحَدِّهَا أَفْضَلُ ، وَقَدْ يَتَرَجَّحُ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً .
وَأَمَّا إنْ قُدِّرَ أَنَّ الثَّانِيَةَ أَكْمَلُ أَفْعَالاً ، وَإِمَاماً ، أَوْ جَمَاعَةً ، فَهُنَا قَدْ تَرَجَّحَتْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 281
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٨١