يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ الثَّوَابِ الَّذِي كَانَ يُكْتَبُ لَهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَالْإِقَامَةِ ؛ لِأَجْلِ نِيَّتِهِ لَهُ ، وَعَجْزِهِ عَنْهُ بِالْعُذْرِ .
وَهَذِهِ " قَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ " أَنَّ مَنْ كَانَ عَازِماً عَلَى الْفِعْلِ عَزْماً جَازِماً وَفَعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ ، فَهَذَا الَّذِي كَانَ لَهُ عَمَلٌ فِي صِحَّتِهِ وَإِقَامَتِهِ عَزْمُهُ أَنْ يَفْعَلَهُ ، وَقَدْ فَعَلَ فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ مَا أَمْكَنَهُ ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ .
كَمَا جَاءَ فِي السُّنَنِ : فِيمَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ ذَهَبَ إلَى الْمَسْجِدِ يُدْرِكُ الْجَمَاعَةَ فَوَجَدَهَا قَدْ فَاتَتْ أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ ، وَكَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالاً مَا سِرْتُمْ مَسِيراً ، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِياً إلَّا كَانُوا مَعَكُمْ ، قَالُوا : وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ، قَالَ : وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ } .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ } الْآيَةُ .
فَهَذَا وَمِثْلُهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَعْذُورَ يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ ثَوَابِ الصَّحِيحِ ، إذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يَفْعَلَ ، وَقَدْ عَمِلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ نَفْسُ عَمَلِهِ مِثْلَ عَمَلِ الصَّحِيحِ ، فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ صَلَاةَ الْمَرِيضِ نَفْسَهَا فِي الْأَجْرِ مِثْلُ صَلَاةِ الصَّحِيحِ ، وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ وَالْمَعْذُورِ فِي نَفْسِهَا مِثْلُ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ ، كَمَا يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ إذَا فَاتَتْهُ مَعَ قَصْدِهِ لَهَا .
وَأَيْضاً فَلَيْسَ كُلُّ مَعْذُورٍ يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ عَمَلِ الصَّحِيحِ ، وَإِنَّمَا يُكْتَبُ لَهُ إذَا كَانَ يَقْصِدُ عَمَلَ الصَّحِيحِ ، وَلَكِنْ عَجَزَ عَنْهُ .
فَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ عَادَتُهُ الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ وَالصَّلَاةُ قَائِماً ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ لِمَرَضِهِ ، فَإِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ .
وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَطَوَّعَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ ، وَقَدْ كَانَ يَتَطَوَّعُ فِي الْحَضَرِ ، قَائِماً يُكْتَبُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي الْإِقَامَةِ .
فَأَمَّا مَنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ، وَلَا الصَّلَاةَ قَائِماً إذَا مَرِضَ ، فَصَلَّى وَحْدَهُ ، أَوْ صَلَّى قَاعِداً ، فَهَذَا لَا يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ صَلَاةِ الْمُقِيمِ الصَّحِيحِ .
وَمَنْ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَ صَلَاةَ هَذَا قَاعِداً مِثْلَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 277
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٧٧