ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ } قَالُوا : فَإِذَا كَانَ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ يُكْتَبُ لَهُمَا مَا كَانَا يَعْمَلَانِ فِي الصِّحَّةِ ، وَالْإِقَامَةِ .
فَكَيْفَ تَكُونُ صَلَاةُ الْمَعْذُورِ قَاعِداً أَوْ مُنْفَرِداً دُونَ صَلَاتِهِ فِي الْجَمَاعَةِ قَاعِداً ؟ ، وَحَمَلَ هَؤُلَاءِ تَفْضِيلَ صَلَاةِ الْقَائِمِ عَلَى النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ فِي الْفَرْضِ وَاجِبٌ .
وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لَزِمَهُ أَنْ يُجَوِّزَ تَطَوُّعَ الصَّحِيحِ مُضْطَجِعاً ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ : { وَمَنْ صَلَّى قَاعِداً فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ } .
وَقَدْ طَرَدَ هَذَا الدَّلِيلَ طَائِفَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَتَطَوَّعَ الرَّجُلُ مُضْطَجِعاً ، لِغَيْرِ عُذْرٍ ؛ لِأَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلِتَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلَى الْمَرِيضِ ، كَمَا تَقَدَّمَ .
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ ، وَعَدُّوهُ بِدْعَةً ، وَحَدَثاً فِي الْإِسْلَامِ .
وَقَالُوا : لَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَداً قَطُّ صَلَّى فِي الْإِسْلَامِ ، عَلَى جَنْبِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مَشْرُوعاً لَفَعَلَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَهْدِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بَعْدَهُ ، وَلَفَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ مَرَّةً لِتَبْيِينِ الْجَوَازِ ، فَقَدْ كَانَ يَتَطَوَّعُ قَاعِداً ، وَيُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَتْ ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ ، فَلَوْ كَانَ هَذَا سَائِغاً لَفَعَلَهُ ، وَلَوْ مَرَّةً .
أَوْ لَفَعَلَهُ أَصْحَابُهُ .
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا هَذَا مَعَ ظُهُورِ حُجَّتِهِمْ قَدْ تَنَاقَضَ مَنْ لَمْ يُوجِبْ الْجَمَاعَةَ مِنْهُمْ ، حَيْثُ حَمَلُوا قَوْلَهُ : { تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً } عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَ الْمَعْذُورِ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : لِمَ كَانَ التَّفْضِيلُ هُنَا فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَعْذُورِ ، وَالتَّفْضِيلُ هُنَاكَ فِي حَقِّ الْمَعْذُورِ ، وَهَلْ هَذَا إلَّا تَنَاقُضٌ ؟ ، .
وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَ الْجَمَاعَةَ وَحَمَلَ التَّفْضِيلَ عَلَى الْمَعْذُورِ ، فَطَرَدَ دَلِيلَهُ ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ لِغَيْرِ عُذْرٍ .
وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ مُنَازِعُهُمْ مِنْ قَوْلِهِ : { إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ } فَجَوَابُهُمْ عَنْهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 276
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٧٦