وَمَعَ هَذَا فَلَمَّا كَانَ مَشْرُوعاً فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَبْطُلْ ، فَإِذَا كَانَ قَدْ قَصَدَ إفْهَامَ الْمُسْتَمِعِ وَمَعَ هَذَا لَمْ تَبْطُلْ ، فَكَيْفَ بِمَا دَلَّ بِالطَّبْعِ ، وَهُوَ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ إفْهَامَ أَحَدٍ ، وَلَكِنَّ الْمُسْتَمِعَ يَعْلَمُ مِنْهُ ، كَمَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ حَرَكَتِهِ ، وَمِنْ سُكُوتِهِ ، فَإِذَا رَآهُ يَرْتَعِشُ أَوْ يَضْطَرِبُ أَوْ يَدْمَعُ أَوْ يَبْتَسِمُ عَلِمَ ، وَإِنَّمَا امْتَازَ هَذَا بِأَنَّهُ مِنْ نَوْعِ الصَّوْتِ ، وَهَذَا لَوْ لَمْ يَرِدْ بِهِ سُنَّةٌ ، فَكَيْفَ ، وَفِي الْمُسْنَدِ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ، فَجَعَلَ يَنْفُخُ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : إنَّ النَّارَ أُدْنِيَتْ مِنِّي حَتَّى نَفَخْت حَرَّهَا عَنْ وَجْهِي } .
وَفِي الْمُسْنَدِ ، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ نَفَخَ فِي آخِرِ سُجُودِهِ ، فَقَالَ : أُفٍّ أُفٍّ أُفٍّ ، رَبِّ ، أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لَا تُعَذِّبَهُمْ وَأَنَا فِيهِمْ } ؟ ، وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ ، أَوْ فَعَلَهُ خَوْفاً مِنْ اللَّهِ ، أَوْ مِنْ النَّارِ .
قَالُوا : فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ عِنْدَنَا ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
كَالتَّأَوُّهِ وَالْأَنِينِ عِنْدَهُ ، وَالْجَوَابَانِ ضَعِيفَانِ : أَمَّا الْأَوَّلُ : فَإِنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ كَانَتْ فِي آخِرِ حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ مَاتَ ابْنُهُ إبْرَاهِيمُ ، وَإِبْرَاهِيمُ كَانَ مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ ، وَمَارِيَةُ أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقَسُ ، بَعْدَ أَنْ أَرْسَلَ إلَيْهِ الْمُغِيرَةَ ، وَذَلِكَ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ فَإِنَّهُ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ أَرْسَلَ رُسُلَهُ إلَى الْمُلُوكِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلَامَ حُرِّمَ قَبْلَ هَذَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَنْكَرَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قِصَّةَ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَتْ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ شَهِدَهَا ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِمِثْلِ هَذَا فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ، بَلْ قَدْ قِيلَ : الشَّمْسُ كَسَفَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، قَبْلَ مَوْتِهِ بِقَلِيلٍ .
وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ الْخَشْيَةِ : فَفِيهِ أَنَّهُ نَفَخَ حَرَّهَا عَنْ وَجْهِهِ ، وَهَذَا نَفْخٌ لِدَفْعِ مَا يُؤْذِي مِنْ خَارِجٍ ، كَمَا يَنْفُخُ الْإِنْسَانُ فِي الْمِصْبَاحِ لِيُطْفِئَهُ ، أَوْ يَنْفُخُ فِي التُّرَابِ .
وَنَفْخُ الْخَشْيَةِ مِنْ نَوْعِ الْبُكَاءِ وَالْأَنِينِ ، وَلَيْسَ هَذَا ذَاكَ .
وَأَمَّا السُّعَالُ وَالْعُطَاسُ وَالتَّثَاؤُبُ وَالْبُكَاءُ الَّذِي يُمْكِنُ دَفْعُهُ وَالتَّأَوُّهُ وَالْأَنِينُ ، فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ هِيَ كَالنَّفْخِ .
فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى طَبْعاً ، وَهِيَ أَوْلَى بِأَنْ لَا تُبْطِلَ ؛ فَإِنَّ النَّفْخَ أَشْبَهُ بِالْكَلَامِ مِنْ هَذِهِ ، إذْ النَّفْخُ يُشْبِهُ التَّأْفِيفَ كَمَا قَالَ : { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 230
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٣٠