فَأَجَابَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
الْوَسْوَاسُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ إذَا كَانَ قَلِيلاً بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، بَلْ يُنْقِصُ الْأَجْرَ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَيْسَ لَك مِنْ صَلَاتِك إلَّا مَا عَقَلْت مِنْهَا .
وَفِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ الْعَبْدَ لَيَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ مِنْهَا إلَّا نِصْفُهَا ، إلَّا ثُلُثُهَا ، إلَّا رُبُعُهَا ، إلَّا خُمُسُهَا ، إلَّا سُدُسُهَا ، إلَّا سُبُعُهَا ، إلَّا ثُمُنُهَا ، إلَّا تُسْعُهَا ، إلَّا عُشْرُهَا } .
وَيُقَالُ : إنَّ النَّوَافِلَ شُرِعَتْ لِجَبْرِ النَّقْصِ الْحَاصِلِ فِي الْفَرَائِضِ ، كَمَا فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِنْ عَمَلِهِ الصَّلَاةُ ، فَإِنْ أَكْمَلَهَا ، وَإِلَّا قِيلَ : اُنْظُرُوا هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتْ بِهِ الْفَرِيضَةُ ، ثُمَّ يُصْنَعُ بِسَائِرِ أَعْمَالِهِ } .
وَهَذَا الْإِكْمَالُ يَتَنَاوَلُ مَا نَقَصَ مُطْلَقاً .
وَأَمَّا الْوَسْوَاسُ الَّذِي يَكُونُ غَالِباً عَلَى الصَّلَاةِ فَقَدْ قَالَ طَائِفَةٌ - مِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ ، وَأَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ - وَغَيْرُهُمَا : إنَّهُ يُوجِبُ الْإِعَادَةَ أَيْضاً ، لِمَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ ، وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ ، فَإِذَا قَضَى التَّأْذِينَ أَقْبَلَ ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ ، فَإِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ ، فَيَقُولُ : اُذْكُرْ كَذَا ، اُذْكُرْ كَذَا ، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرْ ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى ، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ } .
وَقَدْ { صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الصَّلَاةُ مَعَ الْوَسْوَاسِ مُطْلَقاً } .
وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ .
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْوَسْوَاسَ كُلَّمَا قَلَّ فِي الصَّلَاةِ كَانَ أَكْمَلَ ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُحَدِّثْ فِيهِمَا نَفْسَهُ ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } .
وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِوَجْهِهِ ، وَقَلْبِهِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } .
وَمَا زَالَ فِي الْمُصَلِّينَ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ ، كَمَا قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فِي ثَلَاثِ خِصَالٍ ، لَوْ كُنْت فِي سَائِرِ أَحْوَالِي أَكُونُ فِيهِنَّ : كُنْت أَنَا أَنَا ؛ إذَا كُنْت فِي الصَّلَاةِ لَا أُحَدِّثُ نَفْسِي بِغَيْرِ مَا أَنَا فِيهِ ، وَإِذَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثاً لَا يَقَعُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 221
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٢١