فِي قَلْبِي رَيْبٌ أَنَّهُ الْحَقُّ ، وَإِذَا كُنْت فِي جِنَازَةٍ لَمْ أُحَدِّثْ نَفْسِي بِغَيْرِ مَا تَقُولُ ، وَيُقَالُ لَهَا .
وَكَانَ مَسْلَمَةُ بْنُ بَشَّارٍ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ ، فَانْهَدَمَ طَائِفَةٌ مِنْهُ وَقَامَ النَّاسُ ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَشْعُرْ .
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَسْجُدُ ، فَأَتَى الْمَنْجَنِيقُ فَأَخَذَ طَائِفَةً مِنْ ثَوْبِهِ ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ .
وَقَالُوا لِعَامِرِ بْنِ عَبْدِ الْقَيْسِ : أَتُحَدِّثُ نَفْسَك بِشَيْءٍ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ : أَوَ شَيْءٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ أُحَدِّثُ بِهِ نَفْسِي ؟ قَالُوا : إنَّا لَنُحَدِّثُ أَنْفُسَنَا فِي الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : أَبِالْجَنَّةِ وَالْحُورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ؟ فَقَالُوا : لَا ، وَلَكِنْ بِأَهْلِينَا وَأَمْوَالِنَا ، فَقَالَ : لَأَنْ تَخْتَلِفَ الْأَسِنَّةُ فِي أَحَبُّ إلَيَّ وَأَمْثَالُ هَذَا مُتَعَدِّدٌ .
وَاَلَّذِي يُعِينُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئَانِ : قُوَّةُ الْمُقْتَضِي ، وَضَعْفُ الشَّاغِلِ .
أَمَّا الْأَوَّلُ : فَاجْتِهَادُ الْعَبْدِ فِي أَنْ يَعْقِلَ مَا يَقُولُهُ وَيَفْعَلَهُ ، وَيَتَدَبَّرَ الْقِرَاءَةَ وَالذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ ، وَيَسْتَحْضِرَ أَنَّهُ مُنَاجٍ لِلَّهِ تَعَالَى ، كَأَنَّهُ يَرَاهُ ، فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا كَانَ قَائِماً فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ .
وَالْإِحْسَانُ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك ، ثُمَّ كُلَّمَا ذَاقَ الْعَبْدُ حَلَاوَةَ الصَّلَاةِ كَانَ انْجِذَابُهُ إلَيْهَا أَوْكَدَ ، وَهَذَا يَكُونُ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْإِيمَانِ .
وَالْأَسْبَابُ الْمُقَوِّيَةُ لِلْإِيمَانِ كَثِيرَةٌ ؛ وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ : النِّسَاءُ ، وَالطِّيبُ ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ } .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ : { أَرِحْنَا يَا بِلَالُ بِالصَّلَاةِ } وَلَمْ يَقُلْ : أَرِحْنَا مِنْهَا .
وَفِي أَثَرٍ آخَرَ { لَيْسَ بِمُسْتَكْمِلٍ لِلْإِيمَانِ مَنْ لَمْ يَزَلْ مَهْمُوماً حَتَّى يَقُومَ إلَى الصَّلَاةِ } أَوْ كَلَامٍ يُقَارِبُ هَذَا .
وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ .
فَإِنَّ مَا فِي الْقَلْبِ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَخَشْيَتِهِ ، وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لَهُ ، وَخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ ، وَالتَّصْدِيقِ بِأَخْبَارِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، مِمَّا يَتَبَايَنُ النَّاسُ فِيهِ ، وَيَتَفَاضَلُونَ تَفَاضُلاً عَظِيماً ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ كُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ تَدَبُّراً لِلْقُرْآنِ .
وَفَهْماً ، وَمَعْرِفَةً بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَعَظَمَتِهِ ، وَتَفَقُّرِهِ إلَيْهِ فِي عِبَادَتِهِ وَاشْتِغَالِهِ بِهِ ، بِحَيْثُ يَجِدُ اضْطِرَارَهُ إلَى أَنْ يَكُونَ تَعَالَى مَعْبُودَهُ وَمُسْتَغَاثَهُ أَعْظَمَ مِنْ اضْطِرَارِهِ إلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاحَ لَهُ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ اللَّهُ هُوَ مَعْبُودُهُ الَّذِي يَطْمَئِنُّ إلَيْهِ ، وَيَأْنَسُ بِهِ ، وَيَلْتَذُّ بِذِكْرِهِ ، وَيَسْتَرِيحُ بِهِ ، وَلَا حُصُولَ لِهَذَا إلَّا بِإِعَانَةِ اللَّهِ ، وَمَتَى كَانَ لِلْقَلْبِ إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ فَسَدَ وَهَلَكَ هَلَاكاً لَا صَلَاحَ مَعَهُ ، وَمَتَى لَمْ يُعِنْهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُصْلِحْهُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِهِ ، وَلَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْهُ إلَّا إلَيْهِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 222
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٢٢