تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً } . وَكُلَّمَا أَرَادَ الْعَبْدُ تَوَجُّهاً إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِقَلْبِهِ جَاءَ مِنْ الْوَسْوَاسِ أُمُورٌ أُخْرَى ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ بِمَنْزِلَةِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ ، كُلَّمَا أَرَادَ الْعَبْدُ يَسِيرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَرَادَ قَطْعَ الطَّرِيقِ عَلَيْهِ ؛ وَلِهَذَا قِيلَ لِبَعْضِ السَّلَفِ : إنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ : لَا نُوَسْوَسُ ، فَقَالَ : صَدَقُوا ، وَمَا يَصْنَعُ الشَّيْطَانُ بِالْبَيْتِ الْخَرَابِ . وَتَفَاصِيلُ مَا يَعْرِضُ لِلسَّالِكِينَ طَوِيلٌ مَوْضِعُهُ . وَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ قَوْلِهِ : إنِّي لَأُجَهِّزُ جَيْشِي ، وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ . فَذَاكَ لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ مَأْمُوراً بِالْجِهَادِ ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، فَهُوَ أَمِيرُ الْجِهَادِ . فَصَارَ بِذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُصَلِّي الَّذِي يُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ حَالَ مُعَايَنَةِ الْعَدُوِّ ، إمَّا حَالَ الْقِتَالِ ، وَإِمَّا غَيْرَ حَالِ الْقِتَالِ ، فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ ، وَمَأْمُورٌ بِالْجِهَادِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ الْوَاجِبَيْنِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } . وَمَعْلُومٌ أَنَّ طُمَأْنِينَةَ الْقَلْبِ حَالَ الْجِهَادِ لَا تَكُونُ كَطُمَأْنِينَتِهِ حَالَ الْأَمْنِ ، فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ نَقَصَ مِنْ الصَّلَاةِ شَيْءٌ لِأَجْلِ الْجِهَادِ لَمْ يَقْدَحْ هَذَا فِي كَمَالِ إيمَانِ الْعَبْدِ وَطَاعَتِهِ ، وَلِهَذَا تُخَفَّفُ صَلَاةُ الْخَوْفِ عَنْ صَلَاةِ الْأَمْنِ . وَلَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى صَلَاةَ الْخَوْفِ قَالَ : { فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً } فَالْإِقَامَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا حَالَ الطُّمَأْنِينَةِ لَا يُؤْمَرُ بِهَا حَالَ الْخَوْفِ . وَمَعَ هَذَا : فَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَلِكَ ، فَإِذَا قَوِيَ إيمَانُ الْعَبْدِ كَانَ حَاضِرَ الْقَلْبِ فِي الصَّلَاةِ ، مَعَ تَدَبُّرِهِ لِلْأُمُورِ بِهَا ، وَعُمَرُ قَدْ ضَرَبَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ ، وَهُوَ الْمُحَدِّثُ الْمُلْهَمُ ، فَلَا يُنْكَرُ لِمِثْلِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعَ تَدْبِيرِهِ جَيْشَهُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْحُضُورِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ ، لَكِنْ لَا رَيْبَ أَنَّ حُضُورَهُ مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ يَكُونُ أَقْوَى ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالَ أَمْنِهِ كَانَتْ أَكْمَلَ مِنْ صَلَاتِهِ حَالَ الْخَوْفِ فِي الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ ، فَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ عَفَا حَالَ الْخَوْفِ عَنْ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ ، فَكَيْفَ بِالْبَاطِنَةِ . وَبِالْجُمْلَةِ فَتَفَكُّرُ الْمُصَلِّي فِي الصَّلَاةِ فِي أَمْرٍ يَجِبُ عَلَيْهِ قَدْ يَضِيقُ وَقْتُهُ لَيْسَ