تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
وَأَمَّا الذِّكْرُ بَعْدَ الِانْصِرَافِ ، فَكَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - هُوَ مِثْلُ مَسْحِ الْمِرْآةِ بَعْدَ صِقَالِهَا ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ نُورٌ ، فَهِيَ تَصْقُلُ الْقَلْبَ كَمَا تُصْقَلُ الْمِرْآةُ ، ثُمَّ الذِّكْرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَسْحِ الْمِرْآةِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِذَا فَرَغْت فَانْصَبْ ، وَإِلَى رَبِّك فَارْغَبْ } قِيلَ : إذَا فَرَغْت مِنْ أَشْغَالِ الدُّنْيَا فَانْصَبْ فِي الْعِبَادَةِ ، وَإِلَى رَبِّك فَارْغَبْ . وَهَذَا أَشْهَرُ الْقَوْلَيْنِ . وَخَرَجَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْحَاكَةِ يَوْمَ عِيدٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فَقَالَ : مَا لَكُمْ تَلْعَبُونَ ؟ قَالُوا : إنَّا تَفَرَّغْنَا . قَالَ : أَوَ بِهَذَا أَمْرُ الْفَارِغِ ؟ وَتَلَا قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا فَرَغْت فَانْصَبْ ، وَإِلَى رَبِّك فَارْغَبْ } . وَيُنَاسِبُ هَذَا قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمْ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلاً } إلَى قَوْلِهِ : { إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً ، إنَّ لَك فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً } أَيْ ذَهَاباً وَمَجِيئاً ، وَبِاللَّيْلِ تَكُونُ فَارِغاً . وَنَاشِئَةُ اللَّيْلِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ : إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ النَّوْمِ ، يُقَالُ نَشَأَ إذَا قَامَ بَعْدَ النَّوْمِ ؛ فَإِذَا قَامَ بَعْدَ النَّوْمِ كَانَتْ مُوَاطَأَةُ قَلْبِهِ لِلِسَانِهِ أَشَدَّ لِعَدَمِ مَا يَشْغَلُ الْقَلْبَ ، وَزَوَالِ أَثَرِ حَرَكَةِ النَّهَارِ بِالنَّوْمِ ، وَكَانَ قَوْلُهُ أَقَوْمُ . وَقَدْ قِيلَ : إذَا فَرَغْت مِنْ الصَّلَاةِ فَانْصَبْ فِي الدُّعَاءِ { وَإِلَى رَبِّك فَارْغَبْ } . وَهَذَا الْقَوْلُ سَوَاءٌ كَانَ صَحِيحاً أَوْ لَمْ يَكُنْ . فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الدُّعَاءَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ ، لَا سِيَّمَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهَذَا ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَمْتَثِلَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ . وَدُعَاؤُهُ فِي الصَّلَاةِ الْمَنْقُولُ عَنْهُ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا إنَّمَا كَانَ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ } . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الصَّحِيحِ لَمَّا ذَكَرَ التَّشَهُّدَ قَالَ : { ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ } وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ وَغَيْرُهَا دُعَاءَهُ فِي صَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ ، وَأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ .