تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ يَكُونُ أَوْكَدَ وَأَقْوَى مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ : فَانْصَبْ فِي الدُّعَاءِ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى قَوْلِهِ : { وَإِلَى رَبِّك فَارْغَبْ } فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الدُّعَاءَ إنَّمَا يَكُونُ لِلَّهِ . فَعُلِمَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِشَيْئَيْنِ : أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْعِبَادَةِ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ أَشْغَالِهِ ، وَأَنْ تَكُونَ رَغْبَتُهُ إلَى رَبِّهِ لَا إلَى غَيْرِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ : { إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فَقَوْلُهُ : { إيَّاكَ نَعْبُدُ } ، مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ { فَانْصَبْ } . وَقَوْلُهُ : { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ { وَإِلَى رَبِّك فَارْغَبْ } ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ : { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } وَقَوْلُهُ : { هُوَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ } . وَقَوْلُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { عَلَيْهِ تَوَكَّلْت وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } وَمِنْهُ الَّذِي يُرْوَى عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ : { اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إلَيْك ، وَأَقْرَبَ مَنْ تَقَرَّبَ إلَيْك ، وَأَفْضَلَ مَنْ سَأَلَك وَرَغِبَ إلَيْك } ، وَالْأَثَرُ الْآخَرُ وَإِلَيْك الرَّغْبَاءُ وَالْعَمَلُ ، وَذَلِكَ أَنَّ دُعَاءَ اللَّهِ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ نَوْعَانِ : دُعَاءُ عِبَادَةٍ ، وَدُعَاءُ مَسْأَلَةٍ وَرَغْبَةٍ ، فَقَوْلُهُ : { فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّك فَارْغَبْ } يَجْمَعُ نَوْعَيْ دُعَاءِ اللَّهِ ، قَالَ تَعَالَى : { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ } الْآيَةَ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ . وَأَمَّا لَفْظُ دُبُرَ الصَّلَاةِ ، فَقَدْ يُرَادُ بِهِ آخِرَ جُزْءٍ مِنْهُ ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا يَلِي آخِرَ جُزْءٍ مِنْهُ . كَمَا فِي دُبُرِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّهُ آخِرُ جُزْءٍ مِنْهُ ، وَمِثْلُهُ لَفْظُ " الْعَقِبِ " قَدْ يُرَادُ بِهِ الْجُزْءُ الْمُؤَخَّرُ مِنْ الشَّيْءِ ، كَعَقِبِ الْإِنْسَانِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا يَلِي ذَلِكَ . فَالدُّعَاءُ الْمَذْكُورُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ إمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ آخِرُ جُزْءٍ مِنْهَا لِيُوَافِقَ بَقِيَّةَ الْأَحَادِيثِ ، أَوْ يُرَادَ بِهِ مَا يَلِي آخِرَهَا ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ كَمَا سُمِّيَ ذَلِكَ قَضَاءً لِلصَّلَاةِ وَفَرَاغاً مِنْهَا حَيْثُ لَمْ يَبْقَ إلَّا السَّلَامُ الْمُنَافِي لِلصَّلَاةِ ؛ بِحَيْثُ لَوْ فَعَلَهُ عَمْداً فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، وَلَا تَبْطُلُ سَائِرُ الْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الصَّلَاةِ ، أَوْ يَكُونُ مُطْلَقاً أَوْ مُجْمَلاً . وَبِكُلِّ حَالٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 209 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا