فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَحْقِيقِ هَذَا الدُّعَاءِ ، لِيَصِيرَ مِنْ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ : مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً .
فَصْلٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ : هَلْ الْأَفْضَلُ لِلسَّالِكِ الْعُزْلَةُ أَوْ الْخُلْطَةُ ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَإِنْ كَانَ النَّاسُ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا ، إمَّا نِزَاعاً كُلِّيّاً ، وَإِمَّا حَالِيّاً ، فَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ : أَنَّ الْخُلْطَةَ تَارَةً تَكُونُ وَاجِبَةً أَوْ مُسْتَحَبَّةً ، وَالشَّخْصُ الْوَاحِدُ قَدْ يَكُونُ مَأْمُوراً بِالْمُخَالَطَةِ تَارَةً ، وَبِالِانْفِرَادِ تَارَةً .
وَجِمَاعُ ذَلِكَ : أَنَّ الْمُخَالَطَةَ إنْ كَانَ فِيهَا تَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ، فَهِيَ مَأْمُورٌ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا تَعَاوُنٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ فَهِيَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا ، فَالِاخْتِلَاطُ بِالْمُسْلِمِينَ فِي جِنْسِ الْعِبَادَاتِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ هُوَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ .
وَكَذَلِكَ الِاخْتِلَاطُ بِهِمْ فِي الْحَجِّ وَفِي غَزْوِ الْكُفَّارِ وَالْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ وَإِنْ كَانَ أَئِمَّةُ ذَلِكَ فُجَّاراً ، وَإِنْ كَانَ فِي تِلْكَ الْجَمَاعَاتِ فُجَّارٌ .
وَكَذَلِكَ الِاجْتِمَاعُ الَّذِي يَزْدَادُ الْعَبْدُ بِهِ إيمَاناً إمَّا لِانْتِفَاعِهِ بِهِ وَإِمَّا لِنَفْعِهِ لَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَلَا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنْ أَوْقَاتٍ يَنْفَرِدُ بِهَا بِنَفْسِهِ فِي دُعَائِهِ وَذِكْرِهِ وَصَلَاتِهِ وَتَفَكُّرِهِ وَمُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ وَإِصْلَاحِ قَلْبِهِ ، وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يُشْرِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ فَهَذِهِ يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى انْفِرَادِهِ بِنَفْسِهِ إمَّا فِي بَيْتِهِ ، كَمَا قَالَ طَاوُسٌ : " نَعَمْ صَوْمَعَةُ الرَّجُلِ بَيْتُهُ ، يَكُفُّ فِيهَا بَصَرَهُ وَلِسَانَهُ " ، وَإِمَّا فِي غَيْرِ بَيْتِهِ ، فَاخْتِيَارُ الْمُخَالَطَةِ مُطْلَقاً خَطَأٌ وَاخْتِيَارُ الِانْفِرَادِ مُطْلَقاً خَطَأٌ .
وَأَمَّا مِقْدَارُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْ هَذَا وَهَذَا وَمَا هُوَ الْأَصْلَحُ لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ فَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ خَاصٍّ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَكَذَلِكَ السَّبَبُ وَتَرْكُ السَّبَبِ ، فَمَنْ كَانَ قَادِراً عَلَى السَّبَبِ وَلَا يَشْغَلُهُ عَمَّا هُوَ أَنْفَعُ لَهُ فِي دِينِهِ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ ، مَعَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ ، وَهَذَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ النَّاسِ وَلَوْ جَاءَهُ بِغَيْرِ سُؤَالٍ وَسَبَبٍ مِثْلُ هَذَا عِبَادَةٌ لِلَّهِ ، وَهُوَ مَأْمُورٌ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ وَيَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ تَسَبَّبَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ صَالِحَةٍ أَوْ لَمْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ مُطِيعٌ فِي هَذَا وَهَذَا .
وَهَذِهِ طَرِيقُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 163
مساهمون: ابن تيمية
ص١٦٣