فَالْأَوَّلُ : أَنْ يُعْمَلَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، فَإِنَّ الْحُكْمَ مُعَلَّقٌ بِوَصْفٍ يَحْتَاجُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْمُعَيَّنِ إلَى أَنْ يُعْلَمَ ثُبُوتُ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِيهِ ، كَمَا يُعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِإِشْهَادِ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنَّا ، وَمِمَّنْ نَرْضَى مِنْ الشُّهَدَاءِ ، وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُ تَعْيِينُ كُلِّ شَاهِدٍ ، فَيُحْتَاجُ أَنْ يُعْلَمَ فِي الشُّهُودِ الْمُعَيَّنِينَ : هَلْ هُمْ مِنْ ذَوَيْ الْعَدْلِ الْمَرَضِيِّينَ أَمْ لَا ؟ وَكَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِعِشْرَةِ الزَّوْجَيْنِ بِالْمَعْرُوفِ ، { وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِلنِّسَاءِ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وَلَمْ يَكُنْ تَعْيِينُ كُلِّ زَوْجٍ ، فَيُحْتَاجُ أَنْ يُنْظَرَ فِي الْأَعْيَانِ .
ثُمَّ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَقُولُ : إنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ مُقَدَّرَةٌ بِالشَّرْعِ ، وَالصَّوَابُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ إلَى الْعُرْفِ كَمَا { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدَ : خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ } .
وَكَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } .
وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي تَسْلِيمِهِ إلَى هَذَا التَّاجِرِ ، بِجُزْءٍ مِنْ الرِّبْحِ .
هَلْ هُوَ مِنْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أَمْ لَا ؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } يَبْقَى هَذَا الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ هَلْ هُوَ مِنْ الْفُقَرَاءِ الْمَسَاكِينِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ أَمْ لَا ؟ وَكَمَا حَرَّمَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَالرِّبَا عُمُوماً يَبْقَى الْكَلَامُ فِي الشَّرَابِ الْمُعَيَّنِ .
هَلْ هُوَ خَمْرٌ أَمْ لَا ؟ وَهَذَا النَّوْعُ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ، بَلْ الْعُقَلَاءُ : بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنُصَّ الشَّارِعُ عَلَى حُكْمِ كُلِّ شَخْصٍ ، إنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ عَامٍّ ، وَكَانَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ .
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي : الَّذِي يُسَمُّونَهُ " تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ " بِأَنْ يَنُصَّ عَلَى حُكْمِ أَعْيَانٍ مُعَيَّنَةٍ ؛ لَكِنْ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَصُّ بِهَا ، فَالصَّوَابُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ ، لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى النَّصِّ بَلْ الْمُعَيَّنُ هُنَا نَصَّ عَلَى نَوْعِهِ ، وَلَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُعْرَفَ نَوْعُهُ ، وَمَسْأَلَةُ الْفَأْرَةِ فِي السَّمْنِ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، فَإِنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ مَخْصُوصاً بِتِلْكَ الْفَأْرَةِ ، وَذَلِكَ السَّمْنِ .
وَلَا بِفَأْرِ الْمَدِينَةِ وَسَمْنِهَا ، وَلَكِنَّ السَّائِلَ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ ؛ فَأَجَابَهُ : لَا أَنَّ الْجَوَابَ يَخْتَصُّ بِهِ ، وَلَا بِسُؤَالِهِ .
كَمَا أَجَابَ غَيْرُهُ وَلَفْظُ الْفَأْرَةِ وَالسَّمْنِ لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي عُلِّقَ الْحُكْمُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 160
مساهمون: ابن تيمية
ص١٦٠