تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
اللَّهُ بِهِ الْكُتُبَ ، وَأَرْسَلَ بِهِ الرُّسُلَ ، وَالرَّسُولُ لَا يَأْمُرُ بِخِلَافِ الْعَدْلِ ، وَلَا يَحْكُمُ فِي شَيْئَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ بِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، وَلَا يُحَرِّمُ الشَّيْءَ وَيُحِلُّ نَظِيرَهُ . وَقَدْ تَأَمَّلْنَا عَامَّةَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي قِيلَ : إنَّ الْقِيَاسَ فِيهَا عَارَضَ النَّصَّ وَإِنَّ حُكْمَ النَّصِّ فِيهَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ . فَوَجَدْنَا مَا خَصَّهُ الشَّارِعُ بِحُكْمٍ عَنْ نَظَائِرِهِ ، فَإِنَّمَا خَصَّهُ بِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِوَصْفٍ أَوْجَبَ اخْتِصَاصَهُ بِالْحُكْمِ ، كَمَا خَصَّ الْعَرَايَا بِجَوَازِ بَيْعِهَا بِمِثْلِهَا خَرْصاً ، لِتَعَذُّرِ الْكَيْلِ مَعَ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيْعِ ، وَالْحَاجَةُ تُوجِبُ الِانْتِقَالَ إلَى الْبَدَلِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَصْلِ . فَالْخَرْصُ عِنْدَ الْحَاجَةِ قَامَ مَقَامَ الْكَيْلِ ، كَمَا يَقُومُ التُّرَابُ مَقَامَ الْمَاءِ ، وَالْمَيْتَةُ مَقَامَ الْمُذَكَّى عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : الْقَرْضُ أَوْ الْإِجَارَةُ أَوْ الْقِرَاضُ أَوْ الْمُسَاقَاةُ أَوْ الْمُزَارَعَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ ، إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ اخْتَصَّتْ بِصِفَاتٍ أَوْجَبَتْ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا مُخَالِفاً لِحُكْمِ مَا لَيْسَ مِثْلَهَا ، فَقَدْ صَدَقَ . وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْفِعْلَيْنِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ حَكَمَ فِيهِمَا بِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، فَهَذَا خَطَأٌ ، يُنَزَّهُ عَنْهُ مَنْ هُوَ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ . وَلَكِنْ هَذِهِ الْأَقْيِسَةُ الْمُعَارِضَةُ هِيَ الْفَاسِدَةُ ، كَقِيَاسِ الَّذِينَ قَالُوا : { إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } وَقِيَاسِ الَّذِينَ قَالُوا " أَتَأْكُلُونَ مَا قَتَلْتُمْ ، وَلَا تَأْكُلُونَ مَا قَتَلَ اللَّهُ ؟ " يَعْنُونَ الْمَيْتَةَ ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } . وَلَعَلَّ مِنْ رَزَقَهُ اللَّهُ فَهْماً ، وَآتَاهُ مِنْ لَدُنْه عِلْماً ، يَجِدَ عَامَّةِ الْأَحْكَام الَّتِي تُعْلَمُ بِقِيَاسِ شَرْعِيٍّ صَحِيحٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا الْخِطَابُ الشَّرْعِيُّ ، كَمَا أَنَّ غَايَةَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْخِطَابُ الشَّرْعِيُّ هُوَ مُوَافِقٌ لِلْعَدْلِ الَّذِي هُوَ مَطْلُوبُ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ . وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ : فَالْكَلَامُ فِي أَعْيَانِ أَحْوَالِ الرَّجُلِ السَّالِكِ يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ خَاصٍّ ، وَاسْتِهْدَاءٍ مِنْ اللَّهِ ، وَاَللَّهُ قَدْ أَمَرَ الْعَبْدَ أَنْ يَقُولَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } .
الفتاوى الكبرى — صفحة 162 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا