تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
وَتَجِدُ أَيْضاً مَنْ انْحَرَفَ عَنْ الشَّرِيعَةِ مِنْ الْجَبْرِ وَالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالنَّظَرِ وَالْكَلَامِ وَالْبَحْثِ يَنْتَهِي أَمْرُهُمْ إلَى الشَّكِّ وَالْحِيرَةِ ، كَمَا يَنْتَهِي الْأَوَّلُونَ إلَى الشَّطْحِ وَالطَّامَّاتِ ، فَهَؤُلَاءِ لَا يُصَدِّقُونَ بِالْحَقِّ ، وَأُولَئِكَ يُصَدِّقُونَ بِالْبَاطِلِ . وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الدِّينُ بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ ، وَطَاعَتِهِ فِي كُلِّ مَا أَمَرَ بَاطِناً وَظَاهِراً ، مِنْ الْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ الْقَلْبِيَّةِ ، وَفِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ . وَمَنْ عَظَّمَ مُطْلَقَ السَّهَرِ وَالْجُوعِ وَأَمَرَ بِهِمَا مُطْلَقاً فَهُوَ مُخْطِئٌ ، بَلْ الْمَحْمُودُ السَّهَرُ الشَّرْعِيُّ ، وَالْجُوعُ الشَّرْعِيُّ ، فَالسَّهَرُ الشَّرْعِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ ذِكْرٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَوْ كِتَابَةِ عِلْمٍ أَوْ نَظَرٍ فِيهِ أَوْ دَرْسِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ ، وَالْأَفْضَلُ يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ النَّاسِ ، فَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ : كِتَابَةُ الْحَدِيثِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ ، وَبَعْضُ الشُّيُوخِ يَقُولُ : رَكْعَتَانِ أُصَلِّيهِمَا بِاللَّيْلِ حَيْثُ لَا يَرَانِي أَحَدٌ أَفْضَلُ مِنْ كِتَابَةِ مِائَةِ حَدِيثٍ ، وَآخَرُ مِنْ الْأَئِمَّةِ يَقُولُ : بَلْ الْأَفْضَلُ فِعْلُ هَذَا وَهَذَا ، وَالْأَفْضَلُ يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ أَحْوَالِ النَّاسِ ، فَمِنْ الْأَعْمَالِ مَا يَكُونُ جِنْسُهُ أَفْضَلَ ، ثُمَّ يَكُونُ تَارَةً مَرْجُوحاً أَوْ مَنْهِيّاً عَنْهُ . كَالصَّلَاةِ ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ ، وَالذِّكْرُ أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ ، ثُمَّ الصَّلَاةُ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ - كَمَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ وَوَقْتِ الْخُطْبَةِ - مَنْهِيٌّ عَنْهَا وَالِاشْتِغَالُ حِينَئِذٍ إمَّا بِقِرَاءَةٍ أَوْ ذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ أَوْ اسْتِمَاعٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ . وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ ، ثُمَّ الذِّكْرُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ هُوَ الْمَشْرُوعُ . دُونَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ هُوَ الْمَشْرُوعُ دُونَ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ ، وَقَدْ يَكُونُ الشَّخْصُ يَصْلُحُ دِينُهُ عَلَى الْعَمَلِ الْمَفْضُولِ دُونَ الْأَفْضَلِ ، فَيَكُونُ أَفْضَلَ فِي حَقِّهِ ، كَمَا أَنَّ الْحَجَّ فِي حَقِّ النِّسَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ . وَمِنْ النَّاسِ مَنْ تَكُونُ الْقِرَاءَةُ أَنْفَعَ لَهُ مِنْ الصَّلَاةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ الذِّكْرُ أَنْفَعَ لَهُ مِنْ الْقِرَاءَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ اجْتِهَادُهُ فِي الدُّعَاءِ لِكَمَالِ ضَرُورَتِهِ أَفْضَلَ لَهُ مِنْ ذِكْرٍ هُوَ فِيهِ غَافِلٌ ، وَالشَّخْصُ الْوَاحِدُ يَكُونُ تَارَةً هَذَا أَفْضَلَ لَهُ ، وَتَارَةً هَذَا أَفْضَلَ لَهُ ، وَمَعْرِفَةُ حَالِ كُلِّ شَخْصٍ شَخْصٍ ، وَبَيَانُ الْأَفْضَلِ لَهُ لَا يُمْكِنُ ذِكْرُهُ فِي كِتَابٍ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ هِدَايَةٍ يَهْدِي اللَّهُ بِهَا عَبْدَهُ إلَى مَا هُوَ أَصْلَحُ ، وَمَا صَدَقَ اللَّهَ عَبْدٌ إلَّا صَنَعَ لَهُ وَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَقُولُ : اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ