صَالِحاً إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ، فَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً } .
وَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ ، يَا رَبِّ ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ } وَكُلُّ حَلَالٍ طَيِّبٌ ، وَكُلُّ طَيِّبٍ حَلَالٌ ، فَإِنَّ اللَّهَ أَحَلَّ لَنَا الطَّيِّبَاتِ ، وَحَرَّمَ عَلَيْنَا الْخَبَائِثَ ، لَكِنْ جِهَةُ طَيِّبِهِ كَوْنُهُ نَافِعاً لَذِيذاً .
وَاَللَّهُ حَرَّمَ عَلَيْنَا كُلَّ مَا يَضُرُّنَا ، وَأَبَاحَ لَنَا كُلَّ مَا يَنْفَعُنَا بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ بِظُلْمٍ مِنْهُمْ : حَرَّمَ عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ، فَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ عُقُوبَةً لَهُمْ ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنَا شَيْئاً مِنْ الطَّيِّبَاتِ ، وَالنَّاسُ تَتَنَوَّعُ أَحْوَالُهُمْ فِي الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَالْجُوعِ وَالشِّبَعِ ، وَالشَّخْصُ الْوَاحِدُ يَتَنَوَّعُ حَالُهُ ، وَلَكِنْ خَيْرُ الْأَعْمَالِ مَا كَانَ لِلَّهِ أَطْوَعَ ، وَلِصَاحِبِهِ أَنْفَعَ ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ أَيْسَرَ الْعَمَلَيْنِ ، وَقَدْ يَكُونُ أَشَدَّهُمَا ، فَلَيْسَ كُلُّ شَدِيدٍ فَاضِلاً ، وَلَا كُلُّ يَسِيرٍ مَفْضُولاً .
بَلْ الشَّرْعُ إذَا أَمَرَنَا بِأَمْرٍ شَدِيدٍ ، فَإِنَّمَا يَأْمُرُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ ، لَا لِمُجَرَّدِ تَعْذِيبِ النَّفْسِ .
كَالْجِهَادِ الَّذِي قَالَ فِيهِ تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ } .
وَالْحَجُّ هُوَ الْجِهَادُ الصَّغِيرُ ؛ وَلِهَذَا { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي الْعُمْرَةِ : أَجْرُك عَلَى قَدْرِ نَصَبِك } .
وَقَالَ تَعَالَى فِي الْجِهَادِ : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 146
مساهمون: ابن تيمية
ص١٤٦