الْأَعْلَى ، سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى " وَيَجْلِسُ نَحْواً مِنْ سُجُودِهِ يَقُولُ : " رَبِّي اغْفِرْ لِي ، رَبِّ اغْفِرْ لِي " وَيَسْجُدُ .
وَأَمَّا الْوِصَالُ فِي الصِّيَامِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ أَصْحَابَهُ ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ إلَّا فِي الْوِصَالِ إلَى السَّحَرَ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ كَأَحَدِهِمْ .
وَقَدْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْعِبَادَةِ يُوَاصِلُونَ ، مِنْهُمْ مَنْ يَبْقَى شَهْراً لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْقَى شَهْرَيْنِ وَأَكْثَرَ وَأَقَلَّ ، وَلَكِنْ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ نَدِمَ عَلَى مَا فَعَلَ ، وَظَهَرَ ذَلِكَ فِي بَعْضِهِمْ ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِطَرِيقِ اللَّهِ ، وَأَنْصَحُ الْخَلْقِ لِعِبَادِ اللَّهِ ، وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ وَأَطْوَعُهُمْ لَهُ ، وَأَتْبَعُهُمْ لِسُنَّتِهِ .
وَالْأَحْوَالُ الَّتِي تَحْصُلُ عَنْ أَعْمَالٍ فِيهَا مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ أَحْوَالٌ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ .
وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُكَاشَفَاتٌ ، وَفِيهَا تَأْثِيرَاتٌ ، فَمَنْ كَانَ خَبِيراً بِهَذَا الْبَابِ عَلِمَ أَنَّ الْأَحْوَالَ الْحَاصِلَةَ عَنْ عِبَادَاتٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ كَالْأَمْوَالِ الْمَكْسُوبَةِ بِطَرِيقٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ ، وَالْمِلْكِ الْحَاصِلِ بِطَرِيقٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ : فَإِنْ لَمْ يَتَدَارَكْ اللَّهُ عَبْدَهُ بِتَوْبَةٍ ، يَتَّبِعُ بِهَا الطَّرِيقَ الشَّرْعِيَّةَ ، وَإِلَّا كَانَتْ تِلْكَ الْأُمُورُ سَبَباً لِضَرَرٍ يَحْصُلُ لَهُ ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ مُجْتَهِداً مُخْطِئاً مَغْفُوراً لَهُ خَطَؤُهُ ، وَقَدْ يَكُونُ مُذْنِباً ذَنْباً مَغْفُوراً لِحَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ ، وَقَدْ يَكُونُ مُبْتَلًى بِمَصَائِبَ تُكَفِّرُ عَنْهُ ، وَقَدْ يُعَاقَبُ بِسَلْبِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ ، وَإِذَا أَصَرَّ عَلَى تَرْكِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ السُّنَّةِ ، وَفِعْلِ مَا نُهِيَ عَنْهُ ، فَقَدْ يُعَاقَبُ بِسَلْبِ فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ ، حَتَّى قَدْ يَصِيرُ فَاسِقاً أَوْ دَاعِياً إلَى بِدْعَةٍ وَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْكَبَائِرِ ، فَقَدْ يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يُسْلَبَ الْإِيمَانَ ، فَإِنَّ الْبِدَعَ لَا تَزَالُ تُخْرِجُ الْإِنْسَانَ مِنْ صَغِيرٍ إلَى كَبِيرٍ ، حَتَّى تُخْرِجَهُ إلَى الْإِلْحَادِ وَالزَّنْدَقَةِ ، كَمَا وَقَعَ هَذَا لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِمَّنْ كَانَ لَهُمْ أَحْوَالٌ مِنْ الْمُكَاشَفَاتِ وَالتَّأْثِيرَاتِ ، وَقَدْ عَرَفْنَا مِنْ هَذَا مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ .
فَالسُّنَّةُ مِثَالُ سَفِينَةِ نُوحٍ : مَنْ رَكِبَهَا نَجَا ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ .
قَالَ الزُّهْرِيُّ : كَانَ مَنْ مَضَى مِنْ عُلَمَائِنَا يَقُولُونَ : الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ وَعَامَّةُ مَنْ تَجِدُ لَهُ حَالاً مِنْ مُكَاشَفَةٍ أَوْ تَأْثِيرٍ أَعَانَ بِهِ الْكُفَّارَ أَوْ الْفُجَّارَ أَوْ اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعْصِيَةٍ ، فَإِنَّمَا ذَاكَ نَتِيجَةُ عِبَادَاتٍ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ ، كَمَنْ اكْتَسَبَ أَمْوَالاً مُحَرَّمَةً فَلَا يَكَادُ يُنْفِقُهَا إلَّا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 141
مساهمون: ابن تيمية
ص١٤١