أَحَدُهُمْ : أَمَّا أَنَا فَأَصُومُ لَا أُفْطِرُ .
وَقَالَ الْآخَرُ : أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ لَا أَنَامُ ، وَقَالَ الْآخَرُ : أَمَّا أَنَا فَلَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، وَقَالَ الْآخَرُ : أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ اللَّحْمَ .
فَقَالَ : لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأَقُومُ وَأَنَامُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، وَآكُلُ اللَّحْمَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي } .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ } فَأَمَرَ بِأَكْلِ الطَّيِّبَاتِ ، وَالشُّكْرِ لِلَّهِ ، فَمَنْ حَرَّمَ الطَّيِّبَاتِ كَانَ مُعْتَدِياً ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرْ كَانَ مُفَرِّطاً مُضَيِّعاً لِحَقِّ اللَّهِ ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا ، وَيَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا } .
وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ الصَّابِرِ } .
فَهَذِهِ الطَّرِيقُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ أَعْدَلُ الطُّرُقِ وَأَقْوَمُهَا .
وَالِانْحِرَافُ عَنْهَا إلَى وَجْهَيْنِ : قَوْمٌ يُسْرِفُونَ فِي تَنَاوُلِ الشَّهَوَاتِ ، مَعَ إعْرَاضِهِمْ عَنْ الْقِيَامِ بِالْوَاجِبَاتِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً } .
وَقَوْمٌ يُحَرِّمُونَ الطَّيِّبَاتِ ، وَيَبْتَدِعُونَ رَهْبَانِيَّةً ، لَمْ يُشَرِّعْهَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَا رَهْبَانِيَّةَ فِي الْإِسْلَامِ .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا
الفتاوى الكبرى — صفحة 145
مساهمون: ابن تيمية
ص١٤٥