تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
الرَّاجِحِ ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاجِحَ ، وَهُوَ إضَاعَةُ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْ الصَّوْمِ ، وَحُصُولُ الْمَفْسَدَةِ رَاجِحَةٌ فَيَكُونُ قَدْ فَوَّتَ مَصْلَحَةً رَاجِحَةً وَاجِبَةً أَوْ مُسْتَحَبَّةً ، مَعَ حُصُولِ مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ عَلَى مَصْلَحَةِ الصَّوْمِ . وَقَدْ بَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِكْمَةَ النَّهْيِ ، فَقَالَ : { مَنْ صَامَ الدَّهْرَ فَلَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ } . فَإِنَّهُ يَصِيرُ الصِّيَامُ لَهُ عَادَةً ، كَصِيَامِ اللَّيْلِ ، فَلَا يَنْتَفِعُ بِهَذَا الصَّوْمِ ، وَلَا يَكُونُ صَامَ ، وَلَا هُوَ أَيْضاً أَفْطَرَ . وَمَنْ نَقَلَ عَنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ سَرَدَ الصَّوْمَ فَقَدْ ذَهَبَ إلَى أَحَدِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ جَمِيعَ اللَّيْلِ دَائِماً ، أَوْ أَنَّهُ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، كَذَا كَذَا سُنَّةٌ ، مَعَ أَنَّ كَثِيراً مِنْ الْمَنْقُولِ مِنْ ذَلِكَ ضَعِيفٌ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ لِأَصْحَابِهِ : أَنْتُمْ أَكْثَرُ صَوْماً وَصَلَاةً مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ، وَهُمْ كَانُوا خَيْراً مِنْكُمْ ، قَالُوا : لِمَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا وَأَرْغَبَ فِي الْآخِرَةِ . فَأَمَّا سَرْدُ الصَّوْمِ بَعْضَ الْعَامِ ، فَهَذَا قَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ ، قَدْ كَانَ يَصُومُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ : لَا يُفْطِرُ ، وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ : لَا يَصُومُ . وَكَذَلِكَ قِيَامُ بَعْضِ اللَّيَالِي جَمِيعِهَا ، كَالْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ ، أَوْ قِيَامِ غَيْرِهَا أَحْيَاناً ، فَهَذَا مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَنُ ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَهُ ، فَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الْأَخِيرُ مِنْ رَمَضَانَ شَدَّ الْمِئْزَرَ ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ كُلَّهُ } . وَفِي السُّنَنِ { أَنَّهُ قَامَ بِآيَةٍ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ : { إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُك وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } } . وَلَكِنْ غَالِبُ قِيَامِهِ كَانَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ، وَكَانَ يُصَلِّي بِمَنْ حَضَرَ عِنْدَهُ ، كَمَا صَلَّى لَيْلَةً بِابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَيْلَةً بِابْنِ مَسْعُودٍ ، وَلَيْلَةً بِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ . وَقَدْ كَانَ أَحْيَاناً يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ بِالْبَقَرَةِ ، وَالنِّسَاءِ وَآلِ عِمْرَانَ ، ثُمَّ يَرْكَعُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ ، يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ : " سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ، سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ " ، وَيَرْفَعُ نَحْواً مِنْ رُكُوعِهِ ، يَقُولُ : " لِرَبِّي الْحَمْدُ ، لِرَبِّي الْحَمْدُ " وَيَسْجُدُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ يَقُولُ : " سُبْحَانَ رَبِّي
الفتاوى الكبرى — صفحة 140 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا