تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْعُبَّادِ ، فَرَأَوْهُ أَفْضَلَ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ ، وَفِطْرِ يَوْمٍ ، وَطَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يَرَوْهُ أَفْضَلَ ، بَلْ جَعَلُوهُ سَائِغاً بِلَا كَرَاهَةٍ ، وَجَعَلُوا صَوْمَ شَطْرِ الدَّهْرِ أَفْضَلَ مِنْهُ ، وَحَمَلُوا مَا وَرَدَ فِي تَرْكِ صَوْمِ الدَّهْرِ عَلَى مَنْ صَامَ أَيَّامَ النَّهْيِ . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : وَهُوَ الصَّوَابُ قَوْلُ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ تَرْكاً لِلْأَوْلَى ، أَوْ كَرِهَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَنَهْيِهِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ ذَلِكَ ، وَقَوْلِهِ : { مَنْ صَامَ الدَّهْرَ فَلَا صَامَ ، وَلَا أَفْطَرَ } وَغَيْرِهَا صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ . وَمَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ صَوْمُ الْأَيَّامِ الْخَمْسَةِ فَقَدْ غَلِطَ ، فَإِنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ لَا يُرَادُ بِهِ صَوْمُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ ، وَتِلْكَ الْخَمْسَةُ صَوْمُهَا مُحَرَّمٌ ، وَلَوْ أَفْطَرَ غَيْرَهَا فَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا لِكَوْنِ ذَلِكَ صَوْماً لِلدَّهْرِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْهَى عَنْ صَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ يَوْمٍ ، وَالْمُرَادُ خَمْسَةٌ ، بَلْ مِثَالُ هَذَا مِثَالُ مَنْ قَالَ : ائْتِنِي بِكُلِّ مَنْ فِي الْجَامِعِ ، وَأَرَادَ بِهِ خَمْسَةً مِنْهُمْ ، وَأَيْضاً فَإِنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِإِنَّك إذَا فَعَلْت ذَلِكَ : هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ ، وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ ، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي سَرْدِ الصَّوْمِ ، لَا فِي صَوْمِ الْخَمْسَةِ . وَأَيْضاً فَإِنَّ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ سَائِلاً سَأَلَهُ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ . فَقَالَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ فَلَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ ، قَالَ : فَمَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ وَيُفْطِرُ يَوْماً ، فَقَالَ : وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ ؟ ، قَالَ : فَمَنْ يَصُومُ يَوْماً ، وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ ، فَقَالَ : وَدِدْت أَنِّي طُوِّقْت ذَلِكَ ، فَقَالَ : فَمَنْ يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً ، فَقَالَ : ذَلِكَ أَفْضَلُ الصَّوْمِ } فَسَأَلُوهُ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ ، ثُمَّ عَنْ صَوْمِ ثُلُثَيْهِ ، ثُمَّ عَنْ صَوْمِ ثُلُثِهِ ، ثُمَّ عَنْ صَوْمِ شَطْرِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : { صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يَعْدِلُ صِيَامَ الدَّهْرِ } وَقَوْلُهُ : { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتّاً مِنْ شَوَّالٍ ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ . الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا } وَنَحْوُ ذَلِكَ . فَمُرَادُهُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا يَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ صِيَامِ الدَّهْرِ بِتَضْعِيفِ الْأَجْرِ ، مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْمَفْسَدَةِ ، فَإِذَا صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ حَصَلَ لَهُ أَجْرُ صَوْمِ الدَّهْرِ بِدُونِ شَهْرِ رَمَضَانَ . وَإِذَا صَامَ رَمَضَانَ وَسِتّاً مِنْ شَوَّالٍ حَصَلَ بِالْمَجْمُوعِ أَجْرُ صَوْمِ الدَّهْرِ ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ اسْتِغْرَاقُ الزَّمَانِ بِالصَّوْمِ عِبَادَةً ، لَوْلَا مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُعَارِضِ