تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
فَإِنَّهُ يُفْعَلُ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ . كَالصَّلَاةِ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ تَفُوتُ بِفَوَاتِ السَّبَبِ ، فَإِنْ لَمْ تُفْعَلْ فِيهِ وَإِلَّا فَاتَتْ الْمَصْلَحَةُ ، وَالتَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ لَا يُحْتَاجُ إلَى فِعْلِهِ وَقْتَ النَّهْيِ ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَغْرِقُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ بِالصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي النَّهْيِ تَفْوِيتُ مَصْلَحَةٍ ، وَفِي فِعْلِهِ فِيهِ مَفْسَدَةٌ ؛ بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ الَّذِي لَهُ سَبَبٌ يَفُوتُ : كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ ، وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ ، ثُمَّ إنَّهُ إذَا جَازَ رَكْعَتَا الطَّوَافِ مَعَ إمْكَانِ تَأْخِيرِ الطَّوَافِ ، فَمَا يَفُوتُ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ . وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا يُجَوِّزُونَ قَضَاءَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ دُونَ غَيْرِهَا ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى رَكْعَتَيْ الظُّهْرِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي قَضَاءِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ، فَيُقَالُ : إذَا جَازَ قَضَاءُ السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ مَعَ إمْكَانِ تَأْخِيرِهَا ، فَمَا يَفُوتُ كَالْكُسُوفِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ ؛ بَلْ قَدْ ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَضَاءُ الْفَرِيضَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ قَضَائِهَا ، كَمَا { أَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَاءَ الْفَجْرِ لَمَّا نَامَ عَنْهَا فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ . وَقَالَ : أَنَّ هَذَا وَادٍ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ } فَإِذَا جَازَ فَعَلَ مَا يُمْكِنُ تَأْخِيرُهُ . فَمَا لَا يُمْكِنُ وَلَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ أَوْلَى . وَبَسْطُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَا يُمْكِنُ فِي هَذَا الْجَوَابِ . فَصْلٌ وَأَمَّا قِيَامُ اللَّيْلِ وَصِيَامُ النَّهَارِ فَالْأَفْضَلُ فِي ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فَعَلَهُ . وَقَالَ : { أَفْضَلُ الْقِيَامِ قِيَامُ دَاوُد كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُد . كَانَ يَصُومُ يَوْماً ، وَيُفْطِرُ يَوْماً ، وَلَا يَفِرُّ إذَا لَاقَى } وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ { أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ : لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ ، وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ ، وَلَأَقْرَأَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّ يَوْمٍ . فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَفْعَلْ فَإِنَّك إذَا فَعَلْت ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ أَيْ غَارَتْ ، وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ - أَيْ سَئِمَتْ - وَلَكِنْ صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَذَلِكَ صِيَامُك الدَّهْرَ يَعْنِي الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، فَقَالَ : إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ، فَمَا زَالَ يُزَايِدُهُ ، حَتَّى قَالَ : صُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْماً قَالَ : إنِّي أُطِيقُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 137 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا