وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ : " إذَا أَصَابَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ ، فَلَا يَنَامُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ نَفْسَهُ تُصَابُ فِي نَوْمِهِ " .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : " فَإِنَّهُ إذَا مَاتَ لَمْ تَشْهَدْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ جِنَازَتَهُ " .
وَقَدْ أَمَرَ الْجُنُبَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ الْأَكْلِ ، وَالشُّرْبِ ، وَالْمُعَاوَدَةِ ، وَهَذَا دَلِيلُ أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ ذَهَبَتْ الْجَنَابَةُ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، فَلَا تَبْقَى جَنَابَتُهُ تَامَّةً ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْحَدَثِ ، كَمَا أَنَّ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ عَلَيْهِ حَدَثٌ دُونَ الْجَنَابَةِ ، وَإِنْ كَانَ حَدَثُهُ فَوْقَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَهُوَ دُونَ الْجُنُبِ ، فَلَا يَمْنَعُ الْمَلَائِكَةَ عَنْ شُهُودِهِ ، فَلِهَذَا يَنَامُ وَيَلْبَثُ فِي الْمَسْجِدِ .
وَأَمَّا الْحَائِضُ فَحَدَثُهَا دَائِمٌ ، لَا يُمْكِنُهَا طَهَارَةٌ تَمْنَعُهَا عَنْ الدَّوَامِ ، فَهِيَ مَعْذُورَةٌ فِي مُكْثِهَا ، وَنَوْمِهَا ، وَأَكْلِهَا ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَا تُمْنَعُ مِمَّا يُمْنَعُ مِنْهُ الْجُنُبُ مَعَ حَاجَتِهَا إلَيْهِ .
وَلِهَذَا كَانَ أَظْهَرُ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا لَا تُمْنَعُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ .
إذَا احْتَاجَتْ إلَيْهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَيُذْكَرُ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ، فَإِنَّهَا مُحْتَاجَةٌ إلَيْهَا ، وَلَا يُمْكِنُهَا الطَّهَارَةُ ، كَمَا يُمْكِنُ الْجُنُبَ ، وَإِنْ كَانَ حَدَثُهَا أَغْلَظَ مِنْ حَدَثِ الْجُنُبِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا لَا تَصُومُ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ الدَّمُ ، وَالْجُنُبُ يَصُومُ ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ طَهُرَتْ أَوْ لَمْ تَطْهُرْ ، وَيُمْنَعُ الرَّجُلُ مِنْ وَطْئِهَا أَيْضاً ، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْحَظْرِ فِي حَقِّهَا أَقْوَى ، لَكِنْ إذَا احْتَاجَتْ إلَى الْفِعْلِ اسْتَبَاحَتْ الْمَحْظُورَ مَعَ قِيَامِ سَبَبِ الْحَظْرِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ ، كَمَا يُبَاحُ سَائِرُ الْمُحَرَّمَاتِ مَعَ الضَّرُورَةِ مِنْ الدَّمِ ، وَالْمَيْتَةِ ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، وَإِنْ كَانَ مَا هُوَ دُونَهَا فِي التَّحْرِيمِ لَا يُبَاحُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، كَلُبْسِ الْحَرِيرِ ، وَالشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .
وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ، مَعَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ ، وَمَعَ النَّجَاسَةِ فِي الْبَدَنِ ، وَالثَّوْبِ ، هِيَ مُحَرَّمَةٌ أَغْلَظُ مِنْ غَيْرِهَا وَتُبَاحُ ، بَلْ تَجِبُ مَعَ الْحَاجَةِ ، وَغَيْرِهَا وَإِنْ كَانَ دُونَهَا فِي التَّحْرِيمِ : كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَعَ الْحَاجَةِ لَا يُبَاحُ .
وَإِذَا قَدَرَ جُنُبٌ اسْتَمَرَّتْ بِهِ الْجَنَابَةُ ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى غُسْلٍ ، أَوْ تَيَمُّمٍ فَهَذَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 446
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٤٦