تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي : فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا يَعْقِرُونَهُ مِنْ الْأَنْعَامِ يَتْرُكُونَ ذَكَاتَهُ ، بَلْ قَدْ قِيلَ : إنَّهُمْ إنَّمَا يَفْعَلُونَ هَذَا بِالْبَقَرِ ، وَقِيلَ : إنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ حَتَّى يَسْقُطَ ، ثُمَّ يُذَكُّونَهُ ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ ذَبَائِحِهِمْ ، بَلْ إذَا اخْتَلَطَ الْحَرَامُ بِالْحَلَالِ فِي عَدَدٍ لَا يَنْحَصِرُ ، كَاخْتِلَاطِ أُخْتِهِ بِأَهْلِ بَلَدٍ ، وَاخْتِلَاطِ الْمَيْتَةِ وَالْمَغْصُوبِ بِأَهْلِ بَلْدَةٍ ، لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَحْرِيمَ مَا فِي الْبَلَدِ ، كَمَا إذَا اخْتَلَطَتْ الْأُخْتُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَالْمُذَكَّى بِالْمَيِّتِ ، فَهَذَا الْقَدْرُ الْمَذْكُورُ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ ذَبَائِحِهِمْ الْمَجْهُولَةِ الْحَالِ . وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْجُبْنُ مَصْنُوعاً مِنْ إنْفَحَةِ مَيْتَةٍ ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ طَاهِرٌ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ حَرَامٌ نَجِسٌ كَقَوْلِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَالْخِلَافُ مَشْهُورٌ فِي لَبَنِ الْمَيْتَةِ وَإِنْفَحَتِهَا . هَلْ هُوَ طَاهِرٌ أَمْ نَجِسٌ وَالْمُطَهِّرُونَ احْتَجُّوا بِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَكَلُوا جُبْنَ الْمَجُوسِ مَعَ كَوْنِ ذَبَائِحِهِمْ مَيْتَةً ، وَمَنْ خَالَفَهُمْ نَازَعَهُمْ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ . وَأَمَّا الْجُوخُ فَقَدْ حَكَى بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَدْهُنُونَهُ بِشَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّهُ لَيْسَ يُفْعَلُ هَذَا بِهِ كُلِّهِ ، فَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي عُمُومِ نَجَاسَةِ الْجُوخِ لَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَةٍ لِعَيْنِهِ ، لِإِمْكَانِ أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ لَمْ تُصِبْهَا ، إذْ الْعَيْنُ طَاهِرَةٌ ، وَمَتَى شَكَّ فِي نَجَاسَتِهَا فَالْأَصْلُ الطَّهَارَةُ ، وَلَوْ تَيَقَّنَّا نَجَاسَةَ بَعْضِ أَشْخَاصِ نَوْعٍ دُونَ بَعْضٍ لَمْ نَحْكُمْ بِنَجَاسَةِ جَمِيعِ أَشْخَاصِهِ ، وَلَا بِنَجَاسَةِ مَا شَكَكْنَا فِي تَنَجُّسِهِ ، وَلَكِنْ إذَا تَيَقَّنَ النَّجَاسَةَ أَوْ قَصَدَ قَاصِدٌ إزَالَةَ الشَّكِّ ، فَغَسْلُ الْجُوخَةِ يُطَهِّرُهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ صُوفٌ أَصَابَهُ دُهْنٌ نَجِسٌ ، وَإِصَابَةُ الْبَوْلِ وَالدَّمِ لِثَوْبِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ أَشَدُّ ، وَهُوَ بِهِ أَلْصَقُ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ أَصَابَ دَمُ الْحَيْضِ ثَوْبَهَا : { حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ ، ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ } وَفِي رِوَايَةٍ : { وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ } ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 480 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا