كَالْحَائِضِ فِي الرُّخْصَةِ ، وَإِنْ كَانَ هَذَا نَادِراً ، وَكَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُيَّضَ أَنْ يَخْرُجْنَ فِي الْعِيدِ ، وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ ، وَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِ النَّاسِ ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ ، أَمَرَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ ، وَمَا فِيهِمَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَشُهُودِهِمَا عَرَفَةَ مَعَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ ، مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَا يُكْرَهُ لَهَا ذَلِكَ ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا ، وَالْجُنُبُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَغْتَسِلَ ؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ عَلَى الطَّهَارَةِ بِخِلَافِ الْحَائِضِ .
فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَنَوْعِهَا ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ إلَى غِلَظِ الْمَفْسَدَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْحَظْرِ ، أَوْ لَا يُنْظَرُ مَعَ ذَلِكَ إلَى الْحَاجَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْإِذْنِ ، بَلْ الْمُوجِبَةِ لِلِاسْتِحْبَابِ أَوْ الْإِيجَابِ .
وَكُلُّ مَا يَحْرُمُ مَعَهُ الصَّلَاةُ يَجِبُ مَعَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ الصَّلَاةُ إلَّا كَذَلِكَ ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَعَ تِلْكَ الْأُمُورِ أَخَفُّ مِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ ، فَلَوْ صَلَّى بِتَيَمُّمٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ، لَكَانَتْ الصَّلَاةُ مُحَرَّمَةً ، وَمَعَ عَجْزِهِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ كَانَتْ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ وَاجِبَةً بِالْوَقْتِ ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ عُرْيَاناً ، وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ، وَمَعَ حُصُولِ النَّجَاسَةِ وَبِدُونِ الْقِرَاءَةِ ، وَصَلَاةِ الْفَرْضِ قَاعِداً أَوْ بِدُونِ إكْمَالِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .
وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا يَحْرُمُ مَعَ الْقُدْرَةِ وَيَجِبُ مَعَ الْعَجْزِ ، وَكَذَلِكَ أَكْلُ الْمَيْتَةِ ، وَالدَّمِ ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ يَحْرُمُ أَكْلُهَا عِنْدَ الْغِنَى عَنْهَا ، وَيَجِبُ أَكْلُهَا بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ .
قَالَ مَسْرُوقٌ : مَنْ اُضْطُرَّ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى مَاتَ دَخَلَ النَّارَ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ بِتَرْكِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَكْلِ الْمُبَاحِ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ ، بِخِلَافِ الْمُجَاهِدِ بِالنَّفْسِ ، وَمَنْ تَكَلَّمَ بِحَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ، فَإِنَّ ذَلِكَ قُتِلَ مُجَاهِداً فَفِي قَتْلِهِ مَصْلَحَةٌ لِدِينِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَتَعْلِيلُ مَنْعِ طَوَافِ الْحَائِضِ بِأَنَّهُ لِأَجْلِ حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ ، رَأَيْته يُعَلِّلُ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ ، فَإِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الطَّهَارَةَ وَاجِبَةٌ لَهُ ، لَا فَرْضٌ فِيهِ ، وَلَا شَرْطٌ لَهُ ، وَلَكِنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ يُنَاسِبُ الْقَوْلَ بِأَنَّ طَوَافَ الْمُحْدِثِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْهُمَا .
الفتاوى الكبرى — صفحة 447
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٤٧