وَالْخَرِيصَةُ عَيْنُ الْجَرَادَةِ ، لَكِنْ هَذَا قَدْ يُحْمَلُ عَلَى الذَّهَبِ الْمُفْرَدِ دُونَ التَّابِعِ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ نَهَى عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ } ، وَإِنْ كَانَ قَدْ لَبِسَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ ، وَلِهَذَا فَرَّقَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بَيْنَ يَسِيرِ الْحَرِيرِ مُفْرَداً كَالتِّكَّةِ ، فَنَهَى عَنْهُ ، وَبَيْنَ يَسِيرِهِ تَبَعاً كَالْعَلَمِ ، إذْ الِاسْتِثْنَاءُ وَقَعَ فِي هَذَا النَّوْعِ فَقَطْ .
فَكَمَا يُفَرَّقُ فِي الرُّخْصَةِ بَيْنَ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَ التَّابِعِ وَالْمُفْرَدِ ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ مُعَاوِيَةَ " إلَّا مُقَطَّعاً " عَلَى التَّابِعِ لِغَيْرِهِ ، وَإِذَا كَانَتْ الْفِضَّةُ قَدْ رُخِّصَ مِنْهَا فِي بَابِ اللِّبَاسِ وَالتَّحَلِّي فِي الْيَسِيرِ ، وَإِنْ كَانَ مُفْرَداً ، فَاَلَّذِينَ رَخَّصُوا فِي الْيَسِيرِ ، أَوْ الْكَثِيرِ التَّابِعِ فِي الْآنِيَةِ أَلْحَقُوهَا بِالْحَرِيرِ ، الَّذِي أُبِيحَ يَسِيرُهُ تَبَعاً لِلرِّجَالِ فِي الْفِضَّةِ الَّتِي أُبِيحَ يَسِيرُهَا مُفْرَداً أَوْ لَا ، وَلِهَذَا أُبِيحَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، حِلْيَةُ الْمُتَطَفَّةِ مِنْ الْفِضَّةِ ، وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِنْ لِبَاسِ الْحَرْبِ : كَالْخُوذَةِ وَالْجَوْشَنِ ، وَالرَّانِّ ، وَحَمَائِلِ السَّيْفِ ، وَأَمَّا تَحْلِيَةُ السَّيْفِ بِالْفِضَّةِ ، فَلَيْسَ فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ .
وَاَلَّذِينَ مَنَعُوا قَالُوا : الرُّخْصَةُ وَقَعَتْ فِي بَابِ اللِّبَاسِ دُونَ بَابِ الْآنِيَةِ ، وَبَابُ اللِّبَاسِ أَوْسَعُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ يُقَالُ : إنَّ هَذَا أَقْوَى ، إذْ لَا أَثَرَ .
هَذِهِ الرُّخْصَةُ وَالْقِيَاسُ كَمَا تَرَى ، وَأَمَّا الْمُضَبَّبُ بِالذَّهَبِ ، فَهَذَا دَخَلَ فِي النَّهْيِ ، سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلاً أَوْ كَثِيراً ، وَالْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْفِضَّةِ مُنْتَفٍ هَهُنَا ، لَكِنْ فِي يَسِيرِ الذَّهَبِ فِي الْآنِيَةِ وَجْهٌ لِلرُّخْصَةِ فِيهِ .
وَأَمَّا التَّوَضُّؤُ وَالِاغْتِسَالُ مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، لَكِنَّهُ مُرَكَّبٌ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، بَلْ أَشْهَرُهُمَا عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ ، وَاللِّبَاسِ الْمُحَرَّمِ كَالْحَرِيرِ ، وَالْمَغْصُوبِ ، وَالْحَجِّ بِالْمَالِ الْحَرَامِ ،
الفتاوى الكبرى — صفحة 437
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٣٧