وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا فَرَّقَ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ ، بَيْنَ مَنْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئاً فَفَعَلَ بَعْضَهُ ، أَنَّهُ لَا يَبَرُّ ، وَمَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئاً فَفَعَلَ بَعْضَهُ أَنَّهُ يَحْنَثُ .
وَإِذَا كَانَ تَحْرِيمُ الذَّهَبِ ، وَالْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ ، وَآنِيَةِ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ عَلَى الزَّوْجَيْنِ ، يَقْتَضِي شُمُولَ التَّحْرِيمِ لِأَبْعَاضِ ذَلِكَ ، بَقِيَ اتِّخَاذُ الْيَسِيرِ لِحَاجَةٍ أَوْ مُطْلَقاً ، فَالِاتِّخَاذُ الْيَسِيرُ .
وَلِهَذَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ اتِّخَاذِ الْآنِيَةِ بِدُونِ اسْتِعْمَالِهَا ، فَرَخَّصَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ فِي قَوْلٍ ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ عَنْهُمَا تَحْرِيمُهُ ، إذْ الْأَصْلُ أَنَّ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ ، حَرُمَ اتِّخَاذُهُ كَآلَاتِ الْمَلَاهِي .
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْفِضَّةُ التَّابِعَةُ كَثِيرَةً فَفِيهَا أَيْضاً قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَفِي تَحْدِيدِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْكَثِيرِ وَالْيَسِيرِ ، وَالتَّرْخِيصِ فِي لُبْسِ خَاتَمِ الْفِضَّةِ ، أَوْ تَحْلِيَةِ السِّلَاحِ مِنْ الْفِضَّةِ ، وَهَذَا فِيهِ إبَاحَةُ يَسِيرِ الْفِضَّةِ مُفْرَداً ، لَكِنْ فِي اللِّبَاسِ وَالتَّحَلِّي ، وَذَلِكَ يُبَاحُ فِيهِ مَا لَا يُبَاحُ فِي بَابِ الْآنِيَةِ ، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَلِهَذَا غَلِطَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ ، حَيْثُ حَكَى قَوْلاً بِإِبَاحَةِ يَسِيرِ الذَّهَبِ تَبَعاً فِي الْآنِيَةِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَبُو بَكْرٍ ، إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي بَابِ اللِّبَاسِ وَالتَّحَلِّي كَعَلَمِ الذَّهَبِ وَنَحْوِهِ .
وَفِي يَسِيرِ الذَّهَبِ فِي بَابِ اللِّبَاسِ عَنْ أَحْمَدَ أَقْوَالٌ : أَحَدُهَا : الرُّخْصَةُ مُطْلَقاً ، لِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ : " { نَهَى عَنْ الذَّهَبِ إلَّا مُقَطَّعاً } " وَلَعَلَّ هَذَا الْقَوْلَ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ .
وَالثَّانِي : الرُّخْصَةُ فِي السِّلَاحِ فَقَطْ .
وَالثَّالِثُ : فِي السَّيْفِ خَاصَّةً ، وَفِيهِ وَجْهٌ بِتَحْرِيمِهِ مُطْلَقاً ، لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ : " { لَا يُبَاحُ مِنْ الذَّهَبِ وَلَا خَرِيصَةٌ } " .
الفتاوى الكبرى — صفحة 436
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٣٦