تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
وَالْأَوَّلُ أَشَدُّ تَحْرِيماً ، وَالتَّوَرُّعُ فِيهِ مَشْهُورٌ ، وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يَحْتَرِزُونَ فِي الْأَطْعِمَةِ ، وَالثِّيَابِ مِنْ الشُّبُهَاتِ النَّاشِئَةِ مِنْ الْمَكَاسِبِ الْخَبِيثَةِ . وَأَمَّا الثَّانِي : فَإِنَّمَا حُرِّمَ لِمَا فِيهِ مِنْ وَصْفِ الْخَبَثِ . وَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ لَنَا طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، مَعَ إمْكَانِ أَنْ لَا يُذَكُّوهُ التَّذْكِيَةَ الشَّرْعِيَّةَ ، أَوْ يُسَمُّوا عَلَيْهِ غَيْرَ اللَّهِ ، وَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّهُمْ سَمُّوا عَلَيْهِ غَيْرَ اللَّهِ حَرُمَ ذَلِكَ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ قَوْمٍ يُأْتَوْنَ بِاللَّحْمِ وَلَا يُدْرَى أَسَمَّوْا عَلَيْهِ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ : سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا } . وَأَمَّا الْمَاءُ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ طَهُورٌ ، وَلَكِنْ إذَا خَالَطَتْهُ النَّجَاسَةُ وَظَهَرَتْ فِيهِ صَارَ اسْتِعْمَالُهُ اسْتِعْمَالاً لِذَلِكَ الْخَبِيثِ ، فَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ لِمَا خَالَطَهُ مِنْ الْخَبِيثِ ؛ لَا لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ خَبِيثٌ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَا أَمَارَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى مُخَالَطَةِ الْخَبِيثِ لَهُ ، كَانَ هَذَا التَّقْدِيرُ وَالِاحْتِيَالُ مَعَ طَيِّبِ الْمَاءِ وَعَدَمِ التَّغْيِيرِ فِيهِ مِنْ بَابِ الْحَرَجِ الَّذِي نَفَاهُ اللَّهُ عَنْ شَرِيعَتِنَا ، وَمِنْ بَابِ الْآصَارِ ، وَالْأَغْلَالِ الْمَرْفُوعَةِ عَنَّا . وَقَدْ ثَبَتَ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَوَضَّأَ مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ مَعَ قِيَامِ هَذَا الِاحْتِمَالِ . وَمَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَصَاحِبٌ لَهُ بِمِيزَابٍ ، فَقَالَ صَاحِبُهُ : يَا صَاحِبَ الْمِيزَابِ مِلْؤُك طَاهِرٌ أَمْ نَجِسٌ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : يَا صَاحِبَ الْمِيزَابِ لَا تُخْبِرُهُ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَيْهِ . وَقَدْ نَصَّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْأَئِمَّةُ : كَأَحْمَدَ ، وَغَيْرِهِ ، نَصُّوا عَلَى : أَنَّهُ إذَا سَقَطَ عَلَيْهِ مَاءٌ مِنْ مِيزَابٍ وَنَحْوِهِ ، وَلَا أَمَارَةَ تَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ لَمْ يَلْزَمْ السُّؤَالُ عَنْهُ ، بَلْ يُكْرَهُ وَإِنْ سَأَلَ فَهَلْ يَلْزَمُ رَدُّ الْجَوَابِ عَلَى وَجْهَيْنِ ، وَقَدْ اسْتَحَبَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ السُّؤَالَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ يَقُولَ : هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ هُنَا مُنْتَفِيَةٌ ، أَوْ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ ، فَلَا